الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

إسقاط النظام يؤدي إلى قطع رأس الأفعى

مهدي عقبائي لـ “نداء الوطن”: إسقاط النظام يؤدي إلى قطع رأس الأفعى

مهدي عقبائي لـ “نداء الوطن”: إسقاط النظام يؤدي إلى قطع رأس الأفعى

في حوار خاص مع جريدة “نداء الوطن”، تحدث عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية السيد مهدي عقبائي عن آخر تطورات الانتفاضة الشعبية في إيران، مؤكدًا أنها دخلت مرحلة جديدة تتجاوز الاحتجاجات التقليدية إلى ثورة شاملة تهدف إلى إسقاط نظام ولاية الفقيه.

نص الحوار:

1. كيف تقيّمون ماهية الانتفاضة الحالية من حيث اتساعها الاجتماعي والجغرافي؟ وهل تُعتَبَر هذه الموجة تحوّلاً نوعيًا؟

الاحتجاجات الجارية منذ 28 كانون الأول 2025 بدأت من قلب بازار طهران ثم امتدّت إلى مئات النقاط في كل المحافظات الإحدى والثلاثين، من المدن الكبرى إلى البلدات الصغيرة والجامعات خلال أسبوعین فقط. تقارير منظمات مستقلة تتحدث عن احتجاجات فی ما یقارب 200 مدينة، و120 نقطة في‌ طهران فقط ومشاركة شرائح متعددة: تجار البازار، العمّال، الموظفون، الطلاب، والنساء والشباب في الأحياء الشعبية.

إن التحول النوعي والجوهري في هذه الانتفاضة يكمن في محركاتها الأساسية؛ فخلافًا لبعض الموجات السابقة، انفجرت هذه الثورة من صلب الأزمة المعيشية والانهيار الاقتصادي الشامل الذي يعصف بالبلاد. لقد بدأت الصرخة هذه المرة من قلب بازار طهران والمدن الكبرى نتيجة التدهور الكارثي في قيمة العملة الوطنية (الريال) والتضخم الجامح الذي فاق كل الحدود، مما جعل تأمين لقمة العيش اليومية همًا لا يُطاق للغالبية العظمى من الإيرانيين. هذا البعد المعيشي أعطى للانتفاضة زخمًا جغرافيًا واجتماعيًا غير مسبوق، حيث التحم العمال والموظفون وتجار البازار والمحرومون في جبهة واحدة ضد النهب المنظم الذي يمارسه النظام. والحقيقة الميدانية تؤكد أن نظام ولاية الفقيه يواجه اليوم طريقًا مسدودًا بالكامل؛ فهو عاجز بنيويًا عن تقديم أي حل لهذه الأزمات الاقتصادية لأن ثروات الشعب الإيراني مختطفة من قبل الحرس الثوري ومؤسسات المرشد لتمويل آلة القمع والمغامرات الخارجية. لذا، فإن هذه الانتفاضة ليست مجرد احتجاج عابر، بل هي ثورة “الجياع والمنتفضين” الذين أدركوا أن الطريق الوحيد لاستعادة كرامتهم ومعيشتهم يبدأ بإسقاط هذا النظام الذي لا يملك في جعبته سوى الوعود الفارغة ومزيد من القمع.

2. ما هي السيناريوات المحتملة لمسار هذه الانتفاضة في ظل الظروف الراهنة؟

الحقيقة المؤكدة هي أن نظام الملالي وصل إلى طريق مسدود تمامًا، فبنيته الاستبدادية لا تسمح بأي إصلاح حقيقي، وكل مناورة يقوم بها النظام اليوم هي مجرد محاولة لكسب الوقت. السيناريو الوحيد الواقعي هو استمرار التصعيد الشعبي عبر موجات متلاحقة تقودها القوى المنظمة في الداخل، لأن الأزمات الاقتصادية والسياسية بلغت نقطة اللاعودة. نحن نتجه نحو حسم الصراع بين الشعب وديكتاتورية ولاية الفقيه، وأي حديث عن إصلاح من داخل السلطة ليس سوى وهم، فالشعب قرر أن الحل الوحيد هو رحيل هذا النظام بكل أركانه وتوجهاته.

3. إلى أي مدى يمتلك النظام القدرة على امتصاص واحتواء هذه الحركة؟

لقد استنفد النظام كافة أوراقه السياسية والاقتصادية ولم يتبقَ له سوى آلة القمع العارية المتمثلة في الحرس الثوري والباسيج. ومع أن هذه الأجهزة لا تزال تمارس القتل والاعتقال، إلا أنها فقدت قدرتها على إخماد شعلة الثورة، بعدما كسر الجيل الشاب والنساء الإيرانيات قيود الخوف، ولم يعد القمع وحده كافيًا لإخضاع المجتمع أو إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

وفي هذا السياق، أصدر المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يوم الثلثاء 13 كانون الثاني بيانًا أعلن فيه أن عدد شهداء الانتفاضة الشعبية قد تجاوز ثلاثة آلاف شخص حتى 11 كانون الثاني، استنادًا إلى تحقيقات واسعة شملت مصادر محلية، ومستشفيات، والطب الشرعي، وعائلات الشهداء والمفقودين في 195 مدينة. ورغم اضطرار النظام إلى عرض عدد من الجثامين عبر إعلامه الرسمي، فإنه سعى إلى التنصل من مسؤوليته من خلال الادعاء بأن الضحايا قُتلوا على يد المتظاهرين أو قوى المعارضة، في محاولة مكشوفة للتضليل وقلب الحقائق، وهي من الأساليب المعهودة لهذا النظام.

إلا أن هذه المناورات لم تنجح في احتواء الغضب الشعبي، بل على العكس، نرى أن الانتفاضة تتصاعد يومًا بعد يوم، وهي ليست حركة موقتة أو انفجارًا عابرًا يمكن إخماده. إنها انتفاضة راسخة الجذور، لن تنطفئ، لأن أسبابها بنيوية وعميقة. فقد خرج الشعب الإيراني إلى الشوارع بسبب الأوضاع الاقتصادية الكارثية، وارتفاع الأسعار، والانهيار المستمر في قيمة العملة الوطنية، بعدما وصل إلى قناعة واضحة بأنه لم يعد لديه ما يخسره.

وفي المقابل، يفتقر النظام إلى أي حلول حقيقية، لأن اقتصاد البلاد قد جرى تدميره بشكل منهجي على مدى ستة وأربعين عامًا من الفساد وسوء الإدارة ونهب الثروات من قبل مؤسسات المرشد والحرس الثوري. ولذلك، فإن النظام، وإن كان لا يزال قادرًا على ممارسة القمع، فإنه عاجز عن احتواء الانتفاضة أو ضمان بقائه، وهو تناقض أساسي سيُعجِّل بانهياره الحتمي.

4. ما هي نقاط القوة والضعف لدى المنتفضين في هذه المرحلة؟

تتمثل نقطة القوة الكبرى في وجود بديل سياسي ديمقراطي ومنظم لديه شبكة ممتدة في الداخل تتمثل في وحدات المقاومة التي تقود الحراك ميدانيًا. كما أن الحضور القيادي للمرأة الإيرانية أعطى لهذه الثورة طاقة استثنائية وعمقًا أخلاقيًا وسياسيًا كبيرًا. أما ما يراه البعض ضعفًا في غياب قيادة علنية في الداخل، فهو في الحقيقة تكتيك أمني وضرورة ثورية لحماية الكوادر من آلة القمع، بينما تضطلع القيادة السياسية للمقاومة في الخارج بتمثيل هذه الثورة دوليًا وتقديم مشروع متكامل لمستقبل إيران، وهو مشروع المواد العشر الذي طرحته السيدة مريم رجوي.

5. كيف ستؤثر هذه الثورة على مستقبل النظام السياسي في إيران؟

من الواضح أن هذه الانتفاضة قد حطمت شرعية النظام بشكل نهائي وجعلته في حالة حرب دائمة مع المجتمع. المستقبل لن يكون فيه مكان لاستبداد ولاية الفقيه، بل نحن نمضي قدمًا نحو تأسيس جمهورية ديمقراطية تعددية تحترم حقوق الإنسان وتفصل الدين عن الدولة. لقد أدرك المجتمع الدولي أيضًا أن هذا النظام لا يمكن المراهنة على استقراره، وأن البديل الديمقراطي هو الضمانة الوحيدة لمنع الفوضى وتحقيق تطلعات الإيرانيين في الحرية والمساواة، وهذا يعني أننا أمام مرحلة انتقالية كبرى ستغير وجه إيران والمنطقة.

6. ما الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الإقليمية والدولية في هذا الصراع؟

ينبغي على المجتمع الدولي أن يضع حدًا لسياسة الاسترضاء تجاه نظام الملالي، وأن يقف بوضوح إلى جانب الشعب الإيراني في نضاله المشروع من أجل الحرية، مع إدانة القمع الوحشي وقتل المعارضين بأشد العبارات. فالدور المطلوب لا يتمثل في التدخل العسكري، بل في الاعتراف بحق الشعب الإيراني ووحدات الانتفاضة في الدفاع عن أنفسهم في مواجهة قمع الحرس الثوري.

كما يتعيّن على الدول الفاعلة تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية، وإغلاق سفارات النظام التي تُستغل كمراكز للتجسس وتصدير الإرهاب. إن دعم حق الشعب الإيراني في تغيير نظامه يشكّل خطوة أخلاقية وسياسية ضرورية، من شأنها الإسهام في تقصير أمد معاناة الشعب، وتعزيز فرص الاستقرار والأمن في المنطقة.

7. هل قوى المعارضة متفقة اليوم على هدف سياسي واحد؟

نعم، هناك إجماع وطني يتجلى في شعارات الشارع التي ترفض كافة أشكال الديكتاتورية، وهو ما نلخصه في شعار “لا للشاه ولا للملا”. القوى الحقيقية المؤثرة في الميدان متفقة على ضرورة إسقاط نظام ولاية الفقيه وإقامة حکومة جمهورية ديمقراطية. ورغم وجود محاولات لتشتيت الأنظار نحو بدائل وهمية، إلا أن الوعي الشعبي يرفض العودة إلى استبداد الماضي أو البقاء في استبداد الحاضر، ويلتف حول برنامج المقاومة الإيرانية الذي يضمن حقوق كافة المكونات القومية والدينية في إيران المستقبل.

8. هل هناك احتمال لعودة الحكم الملكي، وما هو وزن هذا التيار اليوم؟

لقد حسم الشعب الإيراني خياره منذ عقود وتوج ذلك في ثورة 1979 التي أطاحت بديكتاتورية الشاه، واليوم نرى الشعارات في شوارع طهران ومدن إيران المختلفة ترفض بوضوح العودة إلى الماضي. إن الترويج لعودة الشاه هو في الغالب محاولة من قبل دوائر معينة، وأحيانًا بإيعاز من النظام نفسه، للإيحاء بأن الثورة قد تنحرف عن مسارها الديمقراطي. لكن الواقع الميداني يؤكد أن الشعب يتطلع إلى المستقبل وليس إلى الوراء، وأن البديل الحقيقي هو الجمهورية الديمقراطية التي تقوم على صناديق الاقتراع والسيادة الشعبية لا الوراثة.

9. ما هي الانعكاسات المحتملة لهذه التطورات على سياسة إيران الخارجية واستقرار المنطقة؟

إن سقوط نظام ولاية الفقيه سيعني قطع “رأس الأفعى” في طهران، وهو ما سيؤدي تلقائيًا إلى تجفيف منابع الإرهاب والحروب في المنطقة، من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن. إيران الديمقراطية ستكون دولة مسالمة تلتزم بحسن الجوار وتتخلى عن طموحاتها النووية العبثية، وبدلاً من تصدير الأزمات، ستوجه ثرواتها للتنمية والبناء. باختصار، إن انتصار هذه الثورة ليس مصلحة للإيرانيين فحسب، بل هو ضرورة ملحة للأمن والسلم الدوليين، ولتحرير شعوب المنطقة من التدخلات التخريبية التي مارسها هذا النظام طوال عقود.