“محرقة رشت”.. وثائق مروعة تكشف تفاصيل إبادة جماعية في “سوق الموت” وأكوام الأحذية تروي القصة
في كشف حقوقي زلزل الأوساط المتابعة للشأن الإيراني، أماطت “جمعية حقوق الإنسان الإيرانية“ اللثام عن تفاصيل مرعبة لما بات يوصف بـ “محرقة رشت”. التقرير الاستقصائي الذي نُشر يوم الأربعاء 21 يناير 2026، لم يكتفِ بسرد الأرقام، بل قدم أدلة بصرية وشهادات حية توثق كيف تحول السوق التاريخي في مدينة رشت (شمال إيران) إلى مسرح لإبادة جماعية منظمة نفذتها “قوات الحرس” ضد المتظاهرين العزل.
أكوام الأحذية: الشاهد الصامت
لعل أكثر الصور إيلاماً التي تضمنها التقرير تلك التي تظهر أكواماً من الأحذية المتناثرة في أزقة وشوارع رشت. هذه الأحذية ليست بضائع متروكة، بل هي الأثر الوحيد المتبقي لآلاف المتظاهرين الذين كانوا يملأون المكان قبل لحظات من وقوع الكارثة.
ويرى مراقبون أن هذه المشاهد تعيد للأذهان صوراً تاريخية قاتمة من جرائم الإبادة الجماعية الكبرى، حيث تبقى مقتنيات الضحايا شاهداً صامتاً على وحشية الجلادين بعد أن تحولت أجساد أصحابها إلى رماد أو ووريت الثرى في مقابر جماعية سرية.
هندسة الموت: فخ النار والرصاص
تكشف الشهادات الموثقة أن ما حدث في رشت لم يكن اشتباكاً عشوائياً، بل عملية عسكرية دقيقة بقصد الإبادة. وتفيد التقارير بأن عناصر “قوات الحرس” وقوات الأمن قاموا بتطويق السوق المكتظ بالمتظاهرين، وأغلقوا منافذ الهروب، ثم أضرموا النيران عمداً في المحال التجارية والممرات.
الخطة كانت شيطانية: إجبار المحاصرين على الاختيار بين الموت حرقاً واختناقاً بالدخان، أو الخروج من “مصيدة النار” ليواجهوا وابلاً من الرصاص الحي.
شهادات من قلب “غرف الغاز” المفتوحة
ينقل التقرير شهادات مروعة لناجين تمكنوا من الفرار من الموت بأعجوبة. يقول أحد الشهود الذي غادر البلاد مؤخراً:
“لقد تحول السوق إلى محرقة حقيقية. المشهد أعاد إلى ذاكرتي وصف غرف الغاز والموت الجماعي. الناس كانوا يموتون إما تحت الدخان والنار، أو يضطرون للخروج رافعين أيديهم للاستسلام، ليتم إعدامهم فوراً بوابل من الرصاص”.
ويضيف شاهد آخر نجا من زقاق مسدود حاصرته النيران: “صرخنا في وجه القوات: هناك نساء وأطفال، اتصلوا بالإطفاء! لكنهم لم يكترثوا. وحين حاولنا الخروج مغطين رؤوسنا، أطلقوا النار علينا من الخلف. سقط الكثيرون أمامي، ولم نعد نميز بين الجرحى والشهداء”.
أرقام مفزعة وتوصيف قانوني
تشير التقديرات الأولية المستندة إلى مشاهدات ميدانية خلال ليلتي القمع الدامي (8 و9 يناير) إلى سقوط أعداد هائلة من الضحايا، حيث يتحدث بعض الشهود عن مقتل ما بين 2000 إلى 3000 شخص في عموم المدينة، وسط تكتم رسمي شديد وعمليات دفن سري للجثث المتفحمة.
وأكدت جمعية حقوق الإنسان الإيرانية في ختام تقريرها أن هذه الأفعال تمثل انتهاكاً صارخاً لكافة المواثيق الدولية. فإضرام النار عمداً في المدنيين، ومنع الإسعاف، والإعدام الميداني، تجتمع لتشكل أركان “جريمة ضد الإنسانية” بموجب القانون الدولي، مما يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً لمحاسبة الآمرين والمنفذين لهذه “المحرقة”.
إن دماء ضحايا رشت، وتلك الأحذية المتروكة في الشوارع، تضع ضمير العالم أمام اختبار حقيقي: هل سيستمر الصمت أمام نظام يحرق شعبه بالنار والرصاص؟

