الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

بين ديكتاتورية الحاضر وأوهام الماضي: أين يقف الغرب من مستقبل إيران؟ د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي مقدمة : حين تتحوّل المجازر إلى هامش إخباري في مقال نُشر على موقع تاون هول الأميركي

بين ديكتاتورية الحاضر وأوهام الماضي: أين يقف الغرب من مستقبل إيران؟

بين ديكتاتورية الحاضر وأوهام الماضي: أين يقف الغرب من مستقبل إيران؟

د. سامي خاطر 

أكاديمي وأستاذ جامعي

مقدمة : حين تتحوّل المجازر إلى هامش إخباري

في مقال نُشر على موقع تاون هول الأميركي، يقدّم السياسي الأوروبي البارز ومنسّق حملة التغيير في إيران ستروان ستيفنسون، إدانة غير مسبوقة للصمت الدولي حيال ما يجري داخل إيران، واصفًا هذا الصمت بأنه عار أخلاقي بكل المقاييس. لا ينطلق المقال من لغة عاطفية أو خطابية، بل من تفكيك سياسي بارد لواقع دولي اختار أن يدير ظهره لمجازر موثّقة، وأن يتعامل مع دماء الإيرانيين باعتبارها تكلفة جانبية في حسابات المصالح.

النفاق الغربي: حين لا تكون دماء الإيرانيين على الموضة

يستهل ستيفنسون تحليله بمقارنة صارخة: بينما تتحرّك الكاميرات العالمية بسرعة نحو أزمات أخرى، تُترك إيران خارج دائرة الاهتمام ، رغم سقوط آلاف القتلى من المتظاهرين العزّل، وامتلاء السجون بعشرات الآلاف ممن يواجهون الإعدام بعد محاكمات صورية تذكّر بأسوأ نماذج القرن العشرين. السؤال الذي يطرحه الكاتب ليس أخلاقيًا فحسب، بل سياديًّا واستراتيجيًا بامتياز: أين اختفت جموع التضامن؟ أين النشطاء الذين يملأون الشوارع والمنصات الرقمية دفاعًا عن قضايا أخرى؟ ولماذا تُستثنى إيران؟إجابة ستيفنسون قاسية: لأن الغضب الغربي انتقائي، ولأن النظام الإيراني، رغم وحشيته، يرفع شعارات معادية للغرب، ما يمنحه عمليًا حصانة أيديولوجية غير معلنة، حتى وهو يشنق القاصرين على الرافعات.

فشل سياسة لاسترضاء بيانات ناعمة أمام آلة قتل

ينتقل المقال إلى تفكيك سياسات الحكومات الغربية، وخصوصًا الأوروبية، التي ما زالت أسيرة نهج الاسترضاء يصف ستيفنسون هذا النهج بأنه خليط من الجبن والحسابات قصيرة المدى: بيانات مدانة بصياغات حذرة، وتهديدات بعقوبات لا تُنفّذ، وحرص مَرَضي على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع نظام لا يرى في الحوار سوى فرصة لشراء الوقت. النتيجة، وفق التحليل، واضحة: لا خفض حقيقي للعلاقات الدبلوماسية، لا تصنيف للحرس الثوري كمنظمة إرهابية في الاتحاد الأوروبي أو بريطانيا، ولا استعداد لتحمّل كلفة سياسية دفاعًا عن القيم التي يعلنها الغرب نظريًا .

مسرحية بقايا الديكتاتورية السابقة تشتيت متعمّد للثورة

أحد أكثر أقسام المقال حدّة هو ذاك الذي يتناول ما يسميه ستيفنسون مهزلة سياسة المنفىهنا، يوجّه نقدًا لاذعًا لرضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، الذي عاد إلى الواجهة مع ذروة الانتفاضة ، مقدّمًا نفسه كبديل، قبل أن يختفي مجددًا. يصفه ستيفنسون بأنه انتهازي بلا قاعدة: لا تنظيم داخل إيران، لا حركة جماهيرية، ولا قدرة على حماية المتظاهرين . تدخلاته، بحسب المقال، لا تؤدي إلا إلى التشويش والانقسام وإضعاف زخم الثورة.  ويبلغ النقد ذروته عند السخرية من ادعاءات مبايعة عشرات الآلاف من عناصر الحرس له عبر رمز  متسائلًا ببرودة تحليلية: أين كان هؤلاء عندما كان المتظاهرون يُحصدون بالرصاص؟ الأخطر من ذلك، يذكّر الكاتب بتوسّل بهلوي لقوى خارجية لقصف بلاده، في مشهد يعيد إنتاج منطق الوصاية الذي ثار الإيرانيون ضده أصلًا.

البديل الديمقراطي: مقاومة منظمة ورؤية واضحة

في مقابل هذا الفراغ المصطنع، يؤكد ستيفنسون أن الإيرانيين عبّروا بوضوح عن رفضهم المزدوج : لا للاستبداد الديني، ولا للحنين إلى ديكتاتورية الشاه. مطلبهم، كما يرد في المقال، ليس غامضًا ولا عاطفيًا، بل سياسي محدّد: جمهورية ديمقراطية. ويشير الكاتب إلى أن هذه الرؤية لم تولد اليوم، بل حملتها قوى معارضة ديمقراطية منظمة، مثل مجاهدي خلق، التي دفعت أثمانًا باهظة من الدم والسجون والنفي، ونجحت في بلورة بديل سياسي متماسك، بعيدًا عن الشعبوية أو الوصاية الخارجية.

دعوة إلى التحرك: كفى استرضاءً

يختتم ستيفنسون مقاله بدعوة مباشرة للاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة إلى الخروج من منطقة الراحة

الأخلاقية، مطالبًا بثلاث خطوات لا لبس فيها:

1. تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية فورًا.

2. فرض عقوبات شخصية ومذكرات توقيف دولية بحق المسؤولين عن القتل الجماعي.

3. إنهاء سياسة العمل كالمعتاد مع نظام يحكم عبر الإعدامات.

ويستحضر في الختام مقولة مارتن لوثر كينغ في النهاية، لن نتذكر كلمات أعدائنا، بل صمت أصدقائنا

ليؤكد أن الصمت الغربي تجاه إيران اليوم ليس حيادًا، بل شراكة أخلاقية في الجريمة.

خلاصة تحليلية

ما يقدّمه ستيفنسون ليس مقال رأي تقليديًا، بل لائحة اتهام سياسية وأخلاقية للنظام الإيراني، وللسياسات

الغربية التي مكّنته. السؤال المطروح لم يعد ما إذا كان النظام سيسقط، بل كم من الدماء سيُسمح بسفكها

قبل أن يتوقف هذا العار الأخلاقي.