الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

حين تسقط الشرعية: مجلس الشيوخ الفرنسي يعلن وفاة النظام الإيراني سياسياً مشهد يتجاوز البروتوكول: السياسة تتحول إلى رمز لم تكن الوقفة الجماعية لأعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي بكامل هيئته حدثاً بروتوكولياً أو لفتة تضامن عابرة، بل لحظة سياسية مؤسسة لمعنى جديد في علاقة أوروبا مع إيران. في قلب إحدى أعرق المؤسسات التشريعية في الغرب،

حين تسقط الشرعية: مجلس الشيوخ الفرنسي يعلن وفاة النظام الإيراني سياسياً

حين تسقط الشرعية: مجلس الشيوخ الفرنسي يعلن وفاة النظام الإيراني سياسياً

مشهد يتجاوز البروتوكول: السياسة تتحول إلى رمز

لم تكن الوقفة الجماعية لأعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي بكامل هيئته حدثاً بروتوكولياً أو لفتة تضامن عابرة، بل لحظة سياسية مؤسسة لمعنى جديد في علاقة أوروبا مع إيران. في قلب إحدى أعرق المؤسسات التشريعية في الغرب، اخترق صوت الانتفاضة الإيرانية الجدران الصامتة للسياسة التقليدية، ليتحول إلى موقف رسمي جامع يعيد تعريف الصراع بوصفه مواجهة بين شعب أعزل ونظام يمارس عنف الدولة المنهجي.

هذه الوقفة، بما حملته من إجماع نادر، لم تكن تعبيراً عن تعاطف إنساني فحسب، بل إعلاناً واضحاً بأن النظام الإيراني فقد آخر أوراق شرعيته الأخلاقية والسياسية في الوعي الأوروبي.

لارشيه: تشخيص مباشر لطبيعة النظام

جاء خطاب جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي والرجل الثاني في الدولة، ليكسر أي مساحة للغموض الدبلوماسي. بلغة حازمة لا تقبل التأويل، وجّه رسالة مزدوجة: دعم صريح للشعب الإيراني، وإدانة مباشرة لحكام طهران.

حين قال لارشيه إن أوروبا تواجه “دولة تقتل شعبها”، لم يكن يطلق توصيفاً خطابياً، بل يقدم تشخيصاً سياسياً وقانونياً لطبيعة النظام. دولة لا تطالب بالإصلاح، بل تواجه شعباً يطالب فقط بـ الحرية والحق في الحياة. وفي هذا السياق، تصبح الوقفة البرلمانية فعل اعتراف بشرعية المقاومة الشعبية، لا مجرد تعاطف معها.

من القمع إلى التوصيف: “إرهاب الدولة

الأخطر في موقف مجلس الشيوخ الفرنسي ليس رمزيته، بل المصطلح المستخدم. وصف ممارسات النظام بـ “إرهاب الدولة” يعني إسقاط الغطاء الأخلاقي والقانوني الذي طالما احتمى به تحت ذرائع “السيادة” و”مكافحة الشغب”.

هذا التوصيف يضع نظام الملالي في الخانة ذاتها التي وُضعت فيها أنظمة مارست العنف المنهجي ضد المدنيين، ويؤسس لاحقاً لإجراءات سياسية وقانونية أكثر صرامة، من العقوبات الموجهة إلى العزل الدبلوماسي، وربما المساءلة الدولية.

المرأة في قلب المواجهة: رأس الحربة ضد الاستبداد

لم يكن دعم مجلس الشيوخ موجهاً للانتفاضة بوصفها حدثاً عاماً فحسب، بل ركز بشكل لافت على النساء الإيرانيات، واصفاً إياهن بأنهن رأس الحربة في المعركة ضد الاستبداد الديني. هذا التوصيف يعكس تحولاً في الفهم الغربي لطبيعة الصراع: لم يعد نزاعاً سياسياً تقليدياً، بل مواجهة حضارية بين مشروع قمعي قائم على الإقصاء، وحركة تحرر تقودها النساء في الصفوف الأمامية.

الدلالة الاستراتيجية: النظام “ميت” في أوروبا

تحمل صورة الشيوخ الفرنسيين وهم واقفون صفاً واحداً رسالة استراتيجية عميقة: النظام الإيراني انتهى سياسياً في الوعي الأوروبي. قد يواصل القتل والقمع داخل حدوده، لكنه بات خارجياً جثة سياسية، فاقدة للشرعية، ومجردة من القدرة على الإقناع.

لقد انتهى زمن الصمت الدبلوماسي المريح، وحل محله خطاب المساءلة والمواجهة. وما كان يُدار سابقاً بلغة المصالح الباردة، بات يُقارب اليوم بلغة القيم والمسؤولية.

من الرمز إلى السياسة: ما الذي يجب أن يلي؟

اعتبار لارشيه هذه الوقفة “خطوة صغيرة” يجب تعميمها، يكشف إدراكاً واعياً بأن الرمز وحده لا يكفي. المطلوب اليوم هو ترجمة هذا الموقف إلى سياسات عملية: دعم علني للانتفاضة، ومحاسبة الجلادين، ووقف أي قنوات تتيح للنظام شراء الوقت عبر الدبلوماسية المزدوجة.

الخلاصة: حين يقف العالم إجلالاً

ما جرى في مجلس الشيوخ الفرنسي ليس نهاية الطريق، بل بداية تحوّل. رسالة المشهد واضحة: عندما يثبت الثوار في ميادين إيران، يقف العالم احتراماً لصمودهم. وفي السياسة، كما في التاريخ، لحظة الاعتراف غالباً ما تسبق لحظة السقوط.

عبدالرزاق الزرزور محامي وناشط حقوقي سوري