الخدعة الرقمية الكبرى: كيف صنع “حرس النظام” شعبية “نجل الشاه” في المختبرات الإلكترونية؟
في عالم السياسة، الشعبية تقاس بأصوات الناخبين أو بهدير الحناجر في الساحات. ولكن في الحالة الإيرانية، يبدو أن هناك من يحاول قياسها بـ “نقرات الروبوتات”. تقرير مؤسسة “Treadstone 71“ الأمريكية لم يكشف فقط عن تلاعب تقني، بل فضح استراتيجية سياسية متكاملة يعتمدها نظام الملالي: “إذا لم تستطع هزيمة المعارضة الحقيقية، فاصنع معارضة وهمية تناسبك”.
فضيحة “المترونوم”: عندما تكذب الأرقام ولا تكذب التكنولوجيا
المصطلح الذي صكته المؤسسة الاستخباراتية، “نبض المترونوم” (Metronome Heartbeat)، سيبقى طويلاً في قاموس الجرائم الإلكترونية. إنه الدليل القاطع على أن ما نراه من ضجيج حول “رضا بهلوي” ليس سوى صدى لخوارزميات مبرمجة.
فكيف يمكن لـ 356,000 شخص أن يقرروا فجأة، وبشكل جماعي، إنشاء حساباتهم في الثانية “صفر” من كل دقيقة؟.
يؤكد التقرير أن هذا “الانتظام الميكانيكي” هو بصمة وراثية للروبوتات (Bots)، وهو دليل جنائي يثبت تورط جهة منظمة تمتلك قدرات سيبرانية عالية – وتحديداً الحرس الثوري (IRGC) ووزارة المخابرات – في إدارة هذه العملية الضخمة.
فقاعة “التفويض”: 90% هواء
لعل الصدمة الأكبر في التقرير تتعلق بحملة “من وكيلم” (أنا أوكلك) التي سوّق لها أنصار الملكية كدليل على الإجماع الشعبي. الأرقام العلمية جاءت لتنسف هذه الدعاية من جذورها:
- على منصة “إنستغرام”، تبين أن 9 من كل 10 حسابات تروج لبهلوي هي حسابات وهمية (بنسبة دقيقة بلغت 88.6%).
- هذه الحسابات تفتقر لأبسط معايير المصداقية البشرية: أسماء مشفرة، غياب الصور الشخصية، وسلوك “قطيعي” في إعادة النشر.
بمعنى آخر، الغالبية الساحقة من “المفوضين” لرضا بهلوي ليسوا مواطنين إيرانيين يعانون الجوع والقمع، بل هم “أكواد برمجية” تعمل في سيرفرات تابعة للنظام.
لماذا يمول “الولي الفقيه” دعاية “ابن الشاه”؟
قد يبدو الأمر متناقضاً للوهلة الأولى: لماذا ينفق النظام أمواله لتلميع صورة ابن النظام السابق؟ التقرير والتحليل السياسي يجيبان بوضوح: إنها لعبة “المعارضة المسيطر عليها”.
- صرف الأنظار عن الخطر الحقيقي: النظام يدرك أن الخطر الوجودي عليه يتمثل في المقاومة المنظمة (مجاهدي خلق والمجلس الوطني للمقاومة) التي تمتلك جذوراً في الداخل ومشروعاً ديمقراطياً واضحاً. لذلك، يقوم بتضخيم “فزاعة” عودة الملكية ليغرق الفضاء العام بجدل عقيم حول “الماضي”، مشتتاً الانتباه عن “المستقبل”.
- تزييف الرأي العام الغربي: عبر تقنية “التضخيم المخادع” (Deceptive Amplification)، يخدع النظام صناع القرار والصحفيين في الغرب، موحياً لهم بأن الشارع الإيراني منقسم أو أنه يحن للديكتاتورية السابقة، مما يقلل من حماس المجتمع الدولي لدعم التغيير الجذري الديمقراطي.
- بث الإحباط: عندما يرى المواطن الإيراني المنتفض أن الفضاء الافتراضي ملوث بحسابات تشتم الثوار وتدعو لعودة الاستبداد الشاه، يصاب بالإحباط واليأس من وجود بديل حقيقي، وهو بالضبط ما يريده خامنئي.
جيوش من ورق
يضع هذا التقرير النقاط على الحروف في مرحلة حرجة من تاريخ إيران. إنه رسالة تحذير لكل من يتابع الشأن الإيراني: لا تصدقوا كل ما يلمع على الشاشات.
فبينما يخوض الشباب الإيراني معركة “الحياة والموت” في الشوارع بصدور عارية، يخوض النظام معركة “تزييف الوعي” عبر جيوش إلكترونية. إن “الشعبية” التي بُنيت على 350 ألف حساب وهمي ستتلاشى بضغطة زر واحدة لحذف الحسابات المزيفة، لكن إرادة الشعب الإيراني في إسقاط الديكتاتورية – بشكليها الملكي والديني – هي الحقيقة الوحيدة الراسخة التي لا يمكن تزويرها.

