من كسر التابو إلى إعادة تعريف السياسة الأوروبية : إدراج الحرس الثوري وانهيار منطق الاسترضاء
موسى المعاني
وزير أردني سابق
قرار يتجاوز الإطار الإجرائي
لا يمكن قراءة قرار الاتحاد الأوروبي بإدراج قوات حرس النظام الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية بوصفه إجراءً تقنياً أو قانونياً معزولاً. هذا القرار يمثّل تحوّلاً بنيوياً في مقاربة أوروبا للملف الإيراني، وينهي عملياً مرحلة طويلة من سياسات الاسترضاء التي راهنت على الفصل الوهمي بين “الدولة” و”الأداة القمعية”. في هذا السياق، تكتسب رسالة السيدة مريم رجوي أهمية خاصة، ليس فقط بوصفها ترحيباً بالقرار، بل باعتبارها إطاراً تفسيرياً سياسياً يعيد ربطه بإرادة الشعب الإيراني وتضحياته.
الحرس الثوري : من جهاز أمني إلى بنية دولة موازية
تشير رسالة رجوي بدقة إلى حقيقة باتت موثّقة في تقارير أممية وأوروبية: الحرس الثوري ليس مجرد قوة عسكرية، بل هو العمود الفقري لمنظومة القمع الداخلي وتصدير الإرهاب الخارجي. فمنذ تأسيسه، لعب دوراً محورياً في الجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، سواء عبر سحق الانتفاضات الشعبية في الداخل أو عبر إدارة شبكات ميليشياوية عابرة للحدود. وعليه، فإن إدراجه على قوائم الإرهاب لا يمثّل تصعيداً، بل تصحيحاً متأخراً لمسار خاطئ استمر لعقود.
الانتفاضة كعامل حاسم في صناعة القرار
تُبرز رسالة السيدة رجوي بوضوح أن هذا القرار لم يأتِ من فراغ. بل هو استجابة متأخرة لواقع ميداني فرضته الانتفاضات المتعاقبة، وخصوصاً الدور المحوري الذي لعبه الشباب الثائر في كسر حاجز الخوف. دماء هؤلاء، كما تصفها الرسالة، لم تكن مجرد خسارة إنسانية، بل تحوّلت إلى أداة ضغط سياسية هزّت الأسس الأخلاقية لسياسة المساومة الأوروبية، وعرّت تناقضاتها أمام الرأي العام.
سقوط أسطورة “الاحتواء” الأوروبي
لسنوات، تبنّت عواصم أوروبية خطاب “الاحتواء” باعتباره الخيار الأقل كلفة. غير أن إدراج الحرس الثوري يكشف عملياً انهيار هذا المنطق. فالاعتراف بأن الجهاز المركزي للنظام هو منظمة إرهابية يعني الإقرار بأن المشكلة ليست في سلوك طارئ، بل في طبيعة النظام نفسه. هنا، تتحول خطوة التصنيف إلى إدانة سياسية شاملة، حتى وإن لم يُعلَن ذلك صراحة في البيانات الرسمية.
ما بعد التصنيف: اختبار الجدية الأوروبية
تضع رسالة رجوي الاتحاد الأوروبي أمام اختبار مصداقية حقيقي. فالتصنيف، إذا لم يُستكمل بإجراءات ملموسة، قد يتحول إلى خطوة رمزية محدودة الأثر. الدعوة إلى إغلاق سفارات النظام، وطرد الدبلوماسيين المرتبطين بالحرس ووزارة المخابرات، وقطع الشرايين المالية، ليست مطالب أيديولوجية، بل متطلبات منطقية لأي سياسة تدّعي مواجهة الإرهاب. فالحرس لا يعمل في الفراغ، بل عبر شبكات مالية ودبلوماسية وفّرها له التساهل الدولي.
شرعية المقاومة وحق الدفاع عن النفس
أحد أكثر عناصر الرسالة حساسية هو التأكيد على حق الشباب الإيراني في النضال ضد الحرس وتغيير النظام. هذا الطرح يعيد النقاش إلى جوهره القانوني والأخلاقي: هل يملك شعب واقع تحت ديكتاتورية دينية إرهابية حق مقاومة جهاز مصنّف إرهابياً؟ من منظور القانون الدولي وميثاق حقوق الإنسان، تصبح الإجابة أقل التباساً مما حاولت بعض الدوائر السياسية تصويره.
من السافاك إلى الحرس: ذاكرة القمع واستمراريته
المقارنة التي تستحضرها رجوي بين السافاك في عهد الشاه والحرس الثوري اليوم ليست رمزية فقط، بل تحليلية. فهي تؤكد أن الإيرانيين لا يطالبون بإصلاح جهاز، بل بـ تفكيك بنية قمعية أعيد إنتاجها بأدوات جديدة. هذا الوعي الشعبي، المتراكم عبر التجربة التاريخية، يعزّز مطلب الجمهورية الديمقراطية القائمة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لا على استبدال استبداد بآخر.
خلاصة استراتيجية
يمثّل إدراج الحرس الثوري على قائمة الإرهاب الأوروبية لحظة فاصلة في التعاطي الدولي مع إيران. لكنه في الوقت نفسه بداية مسار لا نهايته. فإما أن يترجم إلى سياسة متكاملة تعترف بجذور الأزمة وتدعم تطلعات الشعب الإيراني، أو يُفرَّغ من مضمونه ويُعاد تدويره ضمن لعبة التوازنات القديمة. رسالة السيدة مريم رجوي، في هذا السياق، لا تُقرأ كبيان سياسي فقط، بل كـ خارطة طريق تكشف ما هو على المحك: ليس سلوك نظام، بل مستقبل إيران والمنطقة.

