الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

سقوط آخر الأقنعة: حرس النظام من أداة حكم إلى منظمة إرهابية دولية قرار مؤجَّل يخرج إلى العلن يمثّل قرار مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بإدراج “حرس النظام الإيراني” على لائحة المنظمات الإرهابية لحظة فاصلة في تطوّر المقاربة الغربية تجاه طهران

سقوط آخر الأقنعة: حرس النظام من أداة حكم إلى منظمة إرهابية دولية

سقوط آخر الأقنعة: حرس النظام من أداة حكم إلى منظمة إرهابية دولية

 قرار مؤجَّل يخرج إلى العلن

يمثّل قرار مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بإدراج “حرس النظام الإيراني” على لائحة المنظمات الإرهابية لحظة فاصلة في تطوّر المقاربة الغربية تجاه طهران. فالخطوة، التي جاءت بعد إجماع أوروبي كامل وضغوط سياسية وحقوقية متراكمة، تنقل السياسة الأوروبية من خانة الإدانة اللفظية إلى الإجراء التنفيذي، وتُسقِط عمليًا ذريعة الفصل بين “الدولة” وذراعها القمعي. بهذا المعنى، لا يعكس القرار تحوّلًا أخلاقيًا فحسب، بل إعادة تموضع استراتيجية إزاء نظام أثبت — بالوقائع — أن الحرس هو عموده الفقري في الداخل والخارج.

برلين تكسر التردّد: تسمية الأشياء بأسمائها

الموقف الألماني كان لافتًا بحدّته ودلالته. إذ وصف وزير الخارجية يوهان وادفول قوات الحرس والمليشيات التابعة لها بـ “مرتزقة أياديهم ملطخة بالدماء”، معتبرًا القرار “رسالة سياسية قوية تأخرت طويلًا”. هذا الخطاب يتجاوز اللغة الدبلوماسية التقليدية، ويؤسس لسردية قانونية-أخلاقية تُمهّد لمحاسبة فعلية. الأهم أن برلين — بثقلها الأوروبي — ربطت القرار صراحةً بالوقوف إلى جانب الشعب الإيراني، ما ينزع عن النظام احتكار تمثيل الدولة.

 إجماع أوروبي: حين يصبح “الإرهاب” توصيفًا قانونيًا

من بروكسل، تكرّست لحظة الإجماع. أورسولا فون دير لاين شددت على أن “إرهابي” هو الوصف الدقيق لنظام يقمع احتجاجات شعبه بالدم، فيما اعتبرت روبرتا ميتسولا أن أوروبا “تنزل إلى الميدان بكل ثقلها”. أما كايا كالاس فصاغت المعادلة بوضوح: من يتصرف كإرهابي يجب أن يُعامل كإرهابي. هذا التلاقي لا يعكس انفعالًا سياسيًا، بل تماسكًا مؤسسيًا يتيح توسيع أدوات الضغط: تجميد أصول، وحظر سفر، وملاحقات قانونية.

 الشمال الأوروبي: من الرؤية إلى الفعل

السويد، التي دفعت طويلًا نحو هذا المسار، قدّمت نموذجًا على ثبات الموقف. تصريحات أولف كريستيرسون وماريا ستينرغارد أكدت أن أوروبا لا تُدير وجهها عمّا يجري في إيران. هنا، يتجسّد التحوّل من سياسة القلق إلى سياسة الفعل، بما يقطع الطريق على محاولات النظام الرهان على التباينات داخل الاتحاد.

 واشنطن: تكامل الضغوط وتوسيع الدائرة

الترحيب الأمريكي لم يكن بروتوكوليًا. وزارة الخارجية وصفت الحرس بأنه “الأداة الرئيسية للإرهاب”، معتبرة القرار الأوروبي رافعة لتعزيز المحاسبة الدولية. وفي موازاة ذلك، جاء قرار وزير الخارجية ماركو روبيو إلغاء تصاريح الإقامة لكبار مسؤولي النظام وأفراد عائلاتهم ليبعث برسالة مباشرة إلى الدائرة المنتفعة: انتهى زمن الإفلات والامتيازات. هذه الخطوة تضرب شبكة المصالح الشخصية التي يعتمد عليها النظام لتأمين الولاء.

 في الإعلام الغربي: وضع الحرس في خانة “داعش

تناول الصحافة الأمريكية، ولا سيما لوس أنجلوس تايمز، منح القرار بُعده القانوني العملي، بوضع الحرس في مصاف “القاعدة” و”داعش”. هذا التصنيف لا يكتفي بالوصم، بل يفتح الباب أمام تجفيف التمويل وقطع الحركة العابرة للحدود، ويُقوّي مسار العقوبات على مسؤولي الانتهاكات وكياناتهم.

 قراءة روبيو: نظام في أضعف حالاته

الأهمية الاستراتيجية تتعزز مع تقييم ماركو روبيو للوضع الداخلي في إيران. توصيفه للنظام بأنه في “أضعف حالاته تاريخيًا” ليس إنشائيًا؛ إنه يستند إلى انهيار اقتصادي، واستنزاف الموارد في التسلّح وتمويل الوكلاء، واعتماد القنّاصة لقمع الاحتجاجات. هذا المزيج — اقتصاد منهار وقمع مفرط — يقلّص هوامش المناورة، ويجعل الضغط الخارجي أكثر تأثيرًا.

 إعادة تعريف الصراع: قراءة مريم رجوي لما بعد القرار

في هذا الإطار، لا تكتسب كلمة السيدة مريم رجوي أهميتها من كونها ترحيبًا سياسيًا بقرار الاتحاد الأوروبي فحسب، بل من كونها إعادة صياغة شاملة لطبيعة الصراع مع النظام الإيراني. فالتصنيف الإرهابي لـ “حرس النظام” يُقدَّم، في قراءتها، بوصفه ردًا متأخرًا على سجل دموي طويل من المجازر التي استهدفت الشباب صانعي الانتفاضات، وتصحيحًا لمسار دولي اتّسم لعقود بسياسة الاسترضاء.

وتنزع رجوي عن الحرس أي صفة “مؤسسية” أو “سيادية”، مؤكدة أنه الجهاز المحوري للقمع الداخلي وتصدير الإرهاب وإشعال الحروب، وأن دوره البنيوي في الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب منذ تأسيسه يجعل من إدراجه على قوائم الإرهاب خطوة كان ينبغي اتخاذها منذ ثلاثة عقود. بهذا المعنى، لا يستهدف القرار جهازًا أمنيًا منفصلًا، بل جوهر المنظومة الحاكمة.

كما يعيد خطاب رجوي الاعتبار للضحايا بوصفهم فاعلًا سياسيًا حاسمًا؛ إذ ترى أن دماء الشباب الثائرين، ولا سيما أبناء الأمهات المفجوعات، هي التي كسرت بنية سياسة الاسترضاء المهترئة، ودفعت المجتمع الدولي إلى الانتقال من الإدانة اللفظية إلى الفعل السياسي. هنا، يصبح القرار الأوروبي نتيجة ضغط تراكمي من الداخل الإيراني، لا مجرد مبادرة خارجية.

وفي شقّه العملي، يطرح الخطاب معادلة واضحة: إن تصنيف الحرس يجب أن يكون مدخلًا لتفكيك المنظومة كاملة، عبر إغلاق سفارات النظام، وطرد الدبلوماسيين ومرتزقة الأجهزة الأمنية، وتجفيف الشرايين المالية، والاعتراف بحق الشعب الإيراني وشبابه في مقاومة الحرس وتغيير النظام. وهي بذلك تنقل النقاش من مستوى العقوبة إلى مستوى تغيير قواعد الاشتباك الدولية.

وتتوج هذه الرؤية بمقارنة تاريخية عالية الدلالة بين “السافاك” في عهد الشاه والحرس في ظل ولاية الفقيه، لتؤكد أن مطلب حلّ أجهزة القمع هو مطلب شعبي ثابت، وأن الهدف النهائي ليس استبدال جهاز بآخر، بل إقامة جمهورية ديمقراطية تستند إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بما يضع القرار الأوروبي في سياق تحوّل تاريخي أوسع.

 خلاصة استراتيجية: من الرمزية إلى تغيير السلوك

القرار الأوروبي، حين يُقرأ مع الإجراءات الأمريكية، يُشكّل منظومة ضغط متكاملة: توصيف قانوني، وعقوبات مالية، وعزلة دبلوماسية، وضرب شبكات الامتياز. الرسالة مزدوجة: للنظام بأن الرهان على الوقت انتهى، وللشعب الإيراني بأن المجتمع الدولي بدأ يترجم أقواله إلى أفعال. التحدّي القادم يكمن في الاستمرارية — أي تحويل هذا التحوّل إلى سياسة طويلة النفس تُقيِّد أدوات القمع وتُسرِّع لحظة المحاسبة. هنا، يصبح إدراج “حرس النظام” ليس نهاية مسار، بل بدايته.

 د. سامي خاطرأكاديمي وأستاذ جامعي