الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

بين الموت والكرامة… ديكتاتورية تخوض حرباً عبثية ضد القبور في ظل الأنظمة الشمولية، لا تُغلق صفحة الإنسان مع توقف نبضه، بل يُفتح فصل جديد من الجريمة. من احتجاز الجثامين وابتزاز عائلات الضحايا،

بين الموت والكرامة… ديكتاتورية تخوض حرباً عبثية ضد القبور

بين الموت والكرامة… ديكتاتورية تخوض حرباً عبثية ضد القبور

في ظل الأنظمة الشمولية، لا تُغلق صفحة الإنسان مع توقف نبضه، بل يُفتح فصل جديد من الجريمة. من احتجاز الجثامين وابتزاز عائلات الضحايا، إلى تدنيس القبور وتحطيم الشواهد، يكشف هذا المقال عن «فوبيا الموتى» التي تطارد نظام الملالي في إيران. إنها مواجهة مفتوحة بين سلطة تسعى إلى محو الذاكرة، وشهداء يزداد حضورهم كلما حاول الجلاد طمس آثارهم.

جريمة بعد الرحيل… انتهاك قدسية الغياب
للموت في ظل الاستبداد وجه أشد قسوة؛ إذ لا يُعد نهاية، بل بداية لسلسلة انتهاكات مركبة. ففي إيران، لا يكتفي نظام ولاية الفقيه بإزهاق أرواح الشباب والفتيات في الساحات وأقبية السجون، بل يشن حربه الحقيقية على أجسادهم بعد أن تفارق الحياة.

تتحول الجثامين إلى رهائن، وتُجبر العائلات المفجوعة على دفع «ثمن الرصاص» الذي قتل أبناءها. يُجرَّم البكاء، وتُحظر الجنازات بوصفها فعلاً سياسياً. وفي ذروة الانحدار الأخلاقي، يُرغم الآباء والأمهات على التوقيع على روايات ملفقة تنسب أبناءهم إلى ميليشيات النظام، تحت طائلة التهديد والقمع.

هذا السلوك يتجاوز مفهوم القمع التقليدي؛ إنه محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل الذاكرة، وسرقة الرواية من أصحابها، واستبدال الحقيقة بالتزوير. فالنظام يرتجف حتى من صمت المشارح، مدركاً أن بقاء اسم الضحية نقياً يعني هزيمة مشروع القاتل.

لوموند: تصعيد أمني ضد الأطباء
وفي سياق متصل، كشفت صحيفة لوموند الفرنسية في تقرير صادم عن تشديد السلطات الإيرانية الضغوط الأمنية على الأطباء والكوادر الصحية الذين عالجوا جرحى الاحتجاجات، في محاولة لإحكام الحصار على الحراك الشعبي.

حرب القبور… حين يتشابه الطغاة
ليست هذه الحرب المسعورة ضد الذاكرة وليدة اللحظة، ولا تقتصر على الجيل الجديد. فالنظام يلاحق حتى موتى الأمس: شعراء، وكتّاباً، ومفكرين، ومناضلين، كل من يشكّل إرثه شاهداً على الجريمة.

تتحول المقابر إلى ساحات مواجهة؛ تُكسر الشواهد، وتُمحى الأسماء، وتُشوَّه المعالم. والمنطق واضح: حين يعجز الطغاة عن كسر إرادة الأحياء، يشنون غاراتهم الدنيئة على الأموات.

وهذا السلوك لم يبدأ مع النظام الحالي؛ فقد سبقه إليه نظام الشاه. ورغم اختلاف الشعارات بين الاستبداد الملكي والاستبداد الديني، فإن السلالة القمعية واحدة. كلاهما حاول تحويل المعارضين إلى «مجهولين» في الموت، بعدما فشل في إخضاعهم في الحياة.

حقد بلا حدود… من طهران إلى باريس
خوف الطغاة من الموتى لا يعرف الجغرافيا. ففي قلب باريس، داخل مقبرة «بير لاشيز» التاريخية، امتدت يد الحقد لتدنيس قبر الكاتب الإيراني الكبير غلام حسين ساعدي، وقبور شهداء المقاومة.

الحجارة التي تتكلم
يخاف المستبد من الحجر.
من الحجارة الصامتة التي تختزن الذاكرة.
من شواهد لا تحمل سلاحاً، لكنها تحمل المعنى.

ما يجهله الطغاة أن معادلة التاريخ بسيطة: يمكن كسر الشواهد، لكن لا يمكن كسر الذاكرة الجمعية. يمكن أسر الأجساد، لكن الروح الثورية لا تُؤسر. يمكن محو الأسماء من الرخام، لكنها محفورة عميقاً في وجدان التاريخ.

الكلمة الأخيرة للشعوب
في إيران اليوم، تقف سلطة مسلحة حتى الأسنان عند أبواب المغاسل والمقابر، تحاول عبثاً انتزاع الكرامة من الموتى. لكن سنن التاريخ لا تتغير: يموت الديكتاتور وينطفئ ذكره، بينما يزداد الشهيد حياةً وحضوراً.

قد يأتي يوم في إيران الحرة لا يحتاج فيه الشعراء إلى رثاء الشهداء، لأن الشعب كله سيكون قصيدة حية. فالحقيقة واضحة لا تُهزم: لا دكتاتورية خالدة، ولا نظام قادر على مصادرة الذاكرة. في النهاية، الشعوب هي من تكتب السطر الأخير، لا الجلادون. وحين ينقشع هذا الظلام ـ وهو زائل لا محالة ـ ستستعيد الحياة كرامتها، ويبقى صوت الحرية أعلى من صرير جنازير الدبابات.