إيران بين مطرقة الانتفاضة وسندان الردع: لحظة حاسمة في اختبار بقاء نظام الملالي
د. سامي خاطر
آكاديمي وأستاذ جامعي
واشنطن تلوّح بتغيير النظام : نهاية سياسة الانتظار
تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 13 فبراير 2026 بأن تغيير النظام في إيران يبدو أفضل شيء يمكن أن يحدث لم تأتِ في سياق دعائي عابر، بل في إطار إعادة تعريف مقاربة واشنطن للملف الإيراني . حديثه عن 47 عاماً من الكلام دون أفعال يعكس قناعة متزايدة داخل دوائر صنع القرار بأن سياسة الاحتواء المرحلي استُنفدت، وأن الجمع بين الردع العسكري والضغط السياسي قد يكون الخيار الوحيد المتبقي . تزامن ذلك مع تقارير نشرتها نيويورك تايمز تفيد بأن وزارة الدفاع الأمريكية تعالج “فجوات دفاعية” وتسرّع إعداد بنك أهداف يشمل البرنامج النووي وقدرات الصواريخ الباليستية، إلى جانب عمليات محتملة للقوات الخاصة. نشر ما بين 30 و40 ألف جندي، وتعزيز أنظمة الدفاع الجوي والغواصات الصاروخية، لا يندرج في إطار الاستعراض، بل يعكس استعداداً لسيناريو ضربة شاملة لـ القلب النووي إذا فشلت الدبلوماسية بشروط واشنطن الصارمة .
إجماع أطلسي متصاعد: لا حصانة للحرس
في اليوم السابق، أرسلت رئيسة البرلمان الأوروبي روبيرتا ميتسولا رسالة غير مسبوقة أكدت فيها أن العقوبات ضد الحرس يجب أن تُنفذ دون ثغرات في إشارة مباشرة إلى ضرورة سد أي مخارج قانونية أو مالية يمكن أن يستخدمها النظام للالتفاف. هذا التشدد الأوروبي ترافق مع تحرك متزامن في مجلس الشيوخ الأمريكي، حيث دعم أكثر من 20 سيناتوراً من الحزبين قراراً يدين إطلاق الرصاص الحي وقطع الإنترنت والاعتقالات الجماعية. هذا التزامن عبر ضفتي الأطلسي يعكس تحولاً من لغة الإدانة الأخلاقية إلى سياسة محاسبة مؤسساتية تركز على الحرس بوصفه العمود الفقري للقمع الداخلي والتوسع الإقليمي. الرسالة لطهران واضحة: ملف القمع لم يُطوَ، والعقوبات لن تبقى رمزية.
انتفاضة يناير: أرقام تغيّر المعادلة
على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، قدّمت لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية عرضاً استند إلى شبكة منظمة مجاهدي خلق الإيرانية داخل إيران، كشف عن معطيات صادمة :
2411 قتيلاً، بينهم 259 امرأة و174 طفلاً، وأكثر من 50 ألف معتقل، وانتفاضة امتدت إلى نحو 400 مدينة. وصف محمد محدثين ما جرى بأنه تحول تاريخي مشيراً إلى وثائق وتسجيلات تُظهر أن قرار إطلاق النار لم يكن ميدانياً أو ارتجالياً، بل صدر مباشرة من مكتب علي خامنئي، في دلالة على مركزية القمع . والأشد خطورة أن النظام أعلن عملياً دخوله مرحلة الوضع الأمني المسلّح فاتحاً الباب أمام استخدام القوة القاتلة كسياسة رسمية لإخماد الاحتجاجات، واستدعاء ميليشيات عابرة للحدود للمشاركة في القمع الداخلي، ما يعني أن النظام بات يستخدم أدوات حروبه الخارجية ضد شعبه نفسه.
صناعة بديل وهمي: مناورة لإرباك المشهد
في السياق ذاته، انتقد جون بيركو، الرئيس السابق لمجلس العموم البريطاني، استضافة رضا بهلوي في ميونيخ، معتبراً أن الشارع الإيراني يرفض كل أشكال الاستبداد سواء كان عمامة أو تاجاً هذا الطرح يتقاطع مع ما كشفته المقاومة عن مشروع أمني يهدف إلى تضخيم بديل شكلي لإرباك الانتفاضة. في المقابل، يطرح المجلس برنامج النقاط العشر الذي أعلنتْه السيدة مريم رجوي ، القائم على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين الجنسين، وإيران غير نووية. هنا يتجاوز الصراع حدود إسقاط نظام إلى صراع على شكل الدولة المقبلة .
حافة الهاوية : الردع أم الانفجار؟
الجنرال المتقاعد جوزيف فوتيل أشار إلى ضرورة الدفاع الكامل قبل أي هجوم، ما يعكس إدراكاً لمخاطر الرد الإيراني عبر الوكلاء أو الصواريخ . غير أن معادلة الردع لم تعد مستقرة؛ فكلما توسعت الانتفاضة، زادت احتمالات مغامرة خارجية من قبل النظام لصرف الأنظار، وكلما تصاعد الحشد العسكري الأمريكي، تقلص هامش المناورة أمام طهران.
اختبار المصداقية الدولية
المعادلة الراهنة تضع العواصم الغربية أمام خيارين: إما الاستمرار في إدارة الأزمة عبر صفقات مؤقتة، أو الانتقال إلى استراتيجية احتواء هجومية تربط بين دعم حق الإيرانيين في المقاومة وتفكيك بنية القمع . الدعوات إلى تفعيل آليات المساءلة الدولية، وإغلاق مراكز النظام الخارجية، وقطع شرايين تمويل الحرس، تشكل اختباراً عملياً لمدى التزام الغرب بقيمه المعلنة.
الخلاصة:
أن نظام الملالي يواجه أخطر تقاطع ضغوط منذ تأسيسه : انتفاضة داخلية واسعة، وإجماع غربي متصاعد، وحشد عسكري يقترب من نقطة اللاعودة . في مثل هذه اللحظات، لا تحسم الشعارات المعركة، بل تحسمها موازين الإرادة والتنظيم والردع. والمؤشرات الحالية توحي بأن زمن إدارة الأزمة يوشك على الانتهاء، وأن إيران تقف على أعتاب مرحلة قد تعيد رسم توازناتها الداخلية والإقليمية لعقود قادمة.


