هندسة وهم نظام الشاه : استراتيجية النظام الإيراني لاختطاف الثورة عبر الخوارزميات
عبدالرزاق الزرزور
محامي و ناشط حقوقي سوري
حرب السرديات : من قمع الشارع إلى اختطاف المعنى
تشير تقارير منشورة في مجلة International Policy Digestإلى أن موجة الترويج لرضا بهلوي في الفضاء الإلكتروني الإيراني ليست تعبيرًا شعبيًا عفويًا، بل حملة رقمية مُهندسة تستهدف اختطاف معنى الاحتجاج وإعادة تأطيره. فالمعركة لم تعد محصورة في الشارع بين المحتجين وأجهزة القمع، بل انتقلت إلى ساحة السرديات الرقمية حيث تُستخدم الخوارزميات، والحسابات الوهمية، وتقنيات التلاعب الصوتي والبصري لإعادة تعريف الانتفاضة بوصفها حنينًا إلى نظام الشاه، لا مطالبةً بجمهورية ديمقراطية . هذه الاستراتيجية تمثل تطورًا في أدوات السلطة : لم يعد الهدف إخماد الاحتجاج فحسب، بل إعادة كتابته في اللحظة ذاتها. عبر خلق ثنائية زائفة بين الولي الفقيه و البهلوي ليُعاد تضييق أفق الحركة وتحويلها من مشروع وطني تعددي إلى صراع رمزي – ، وهو إطار يخدم بقاء النظام أكثر مما يهدده.
هندسة الانقسام : صناعة بديل استقطابي
تفيد تحليلات تقنية وشهادات نشطاء بأن موجة نوستالجيا نظام الشاه تُدار عبر شبكات من الحسابات المنسّقة ، بما يشبه عمليات تأثير معلوماتي. الهدف الاستراتيجي واضح: تفكيك الكتلة الوسطى الواسعة التي تطالب بجمهورية مدنية لا ثيوقراطية ولا بهلوية. عندما يُختزل المجال العام في خيارين متنافرين، يتبدد الزخم التعددي، ويضعف تماسك الاحتجاج . في المقابل، تؤكد بيانات ومواقف منشورة على الموقع الرسمي للسيدة مريم رجوي أن خطة النقاط العشر تمثل إطارًا جمهوريًا ديمقراطيًا يتجاوز ثنائية الماضي، ويضع مبادئ مثل فصل الدين عن الدولة، والمساواة الجندرية ، واستقلال القضاء في صلب المرحلة الانتقالية. هذا الطرح يجد صداه لدى شخصيات أوروبية اعتبرت ألا عودة لأي شكل من أشكال الديكتاتورية، سواء كانت دينية أو بهلوية.
الاختراق الميداني: حقن الشعارات لخلق صورة منقسمة
على الأرض، وثّقت تقارير مرتبطة بشبكات المعارضة، نمطًا متكررًا يتمثل في اندساس عناصر بملابس مدنية داخل التجمعات لترديد شعارات مؤيدة لبهلوي. الغاية ليست كسب الشارع، بل إنتاج لقطات تُستخدم لاحقًا كمواد خام لإعادة التدوير الإعلامي . هذا التكتيك، المنسوب في عدة تقارير إلى دوائر قريبة من الحرس الثوري الإيراني وميليشيا قوات الباسيج، يخدم هدفًا مزدوجًا: زرع الانقسام الفوري داخل الحشود، ثم توفير مادة بصرية يمكن تحريرها وبثها بوصفها على انقسام الحركة أو ميلها لنظام الشاه .
الذراع الرقمية: التلاعب الصوتي وصناعة
التحليلات الجنائية الرقمية تكشف تناقضات متكررة في مقاطع تُظهر هتافات مؤيدة لنظام الشاه: أصوات نظيفة على نحو غير طبيعي، غياب ضجيج البيئة، عدم تطابق حركات الشفاه مع الكلمات، ما يرجّح فرضية استبدال المسارات الصوتية . من الحالات البارزة، مقطع صُوّر خلال احتجاجات 2022 في جامعة شريف الصناعية، حيث وثّقت التسجيلات الأصلية شعارات مناهضة للنظام. لاحقًا، انتشرت نسخة معدّلة حُذف فيها الصوت الأصلي واستُبدل بهتافات مؤيدة لنظام الشاه. تكررت أنماط مشابهة في مواد من جامعة علامه طباطبائي . المسار النمطي: مقطع محرّف ينتشر رقميًا، يُضخّم عبر قنوات ذات توجهات سياسية محددة، ثم يعود إلى الفضاء العام بغطاء الشرعية الإعلامية فتتحول إعادة النشر إلى آلية لإنتاج الواقع.
تشتيت استراتيجي: خلق معارضة قشّية
المفارقة أن الإعلام الرسمي يركّز في تغطيته على شبكات المعارضة المنظمة و وحدات المقاومةما يوحي بأن التهديد الفعلي في حسابات النظام ليس حنينًا لنظام الشاه، بل ائتلافًا جمهوريًا قادرًا على الاستدامة والتنسيق عبر الطبقات والمناطق . بالتالي، يصبح تضخيم خيار استقطابي بمثابة تشتيت استراتيجي يبدد الضغط ويزرع الشك لدى المراقبين الدوليين. بهذا المعنى، يجري تصنيع معارضة قشّية يسهل تسطيحها إعلاميًا ومهاجمتها. بينما هتافات الشارع – من طهران إلى كردستان – تؤكد رفضًا مزدوجًا للاستبداد لا للشاه ولا للولي الفقيههذا الخيال السياسي الذي يتجاوز أقطاب القرن العشرين هو ما تسعى حملات التزييف إلى تشويهه.
الخلاصة : معركة الحقيقة في عصر هندسة الوعي
في بيئة يمكن فيها للذكاء الاصطناعي تقليد الأصوات وتعديل الفيديوهات بإقناع عالٍ، يصبح التحقق المنهجي شرطًا لفهم اللحظة الإيرانية. فالقمع اليوم لا يكتفي بإطلاق الرصاص ؛ بل يسعى إلى إعادة كتابة الواقع بالبكسلات. إن اختزال انتفاضة متعددة المطالب في حنين لنظام الشاه هو جزء من بنية بقاء نظام يراهن على الارتباك الدولي وتفكك الداخل. غير أن مؤشرات التنظيم الجمهوري ، كما تعكسها منصات المعارضة وخطابها البرنامجي، تشير إلى أن المعركة الحاسمة ليست بين ماضٍ بهلوي وحاضر ديني، بل بين دولة قانون حديثة وبنية سلطة دينية عسكرية تستميت للحفاظ على احتكارها للسردية والقرار.


