الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

من رمزية الحداد إلى اختبار تماسك النظام أربعينية شهداء يناير 2026 كأداة تعبئة سياسية تشكل رسالة السيدة مريم رجوي بمناسبة أربعينية شهداء انتفاضة يناير 2026 لحظة سياسية تتجاوز البعد العاطفي إلى مستوى إعادة تأطير الصراع بين الشارع الإيراني ونظام ولاية الفقيه.

من رمزية الحداد إلى اختبار تماسك النظام

من رمزية الحداد إلى اختبار تماسك النظام

د. سامي خاطر يكتب

أربعينية شهداء يناير 2026 كأداة تعبئة سياسية

تشكل رسالة السيدة مريم رجوي بمناسبة أربعينية شهداء انتفاضة يناير 2026 لحظة سياسية تتجاوز البعد العاطفي إلى مستوى إعادة تأطير الصراع بين الشارع الإيراني ونظام ولاية الفقيه. في أدبيات الحركات الاحتجاجية الإيرانية، تمثل الأربعينية محطة مفصلية لإعادة إنتاج الزخم، كما حدث في انتفاضات سابقة. غير أن السياق الراهن مختلف: فحجم القمع، واتساع رقعة الاحتجاجات، وتنامي الطابع المنظم للتحركات، كلها عوامل تضفي على هذه الذكرى بُعدًا استراتيجياً يتصل بمستقبل بنية السلطة ذاتها.

الرسالة، كما نُشرت في المنصات الإعلامية للمقاومة الإيرانية، لا تكتفي بإحياء الذكرى، بل تسعى إلى تحويل الحداد إلى التزام سياسي مستدام، عبر التأكيد على أن “أربعينية بحر الدماء” ليست خاتمة موجة، بل مقدمة لمرحلة جديدة من الانتفاضة المنظمة.

القمع كسياسة بقاء

تضع الرسالة سلوك النظام في إطار منهجي: حملات اعتقال واسعة، واستهداف المراهقين والشباب، وملاحقة الطواقم الطبية، ومحاولات طمس الأدلة. هذه المعطيات تعكس ما يمكن وصفه بسياسة الاحتواء الأمني الشامل، حيث يُعاد تعريف أي تضامن اجتماعي باعتباره تهديداً أمنياً.

اللافت أن الرسالة تركز على عنصر الخوف داخل دوائر الحكم، معتبرة أن “الرعب يزلزل أركان النظام”. في التحليل الاستراتيجي، لا يُقاس هذا الرعب بالخطاب، بل بمؤشرات سلوكية: توسيع نطاق الاعتقالات، وتشديد الرقابة، وارتفاع وتيرة المحاكمات. هذه مؤشرات تقليدية على انتقال السلطة من وضع السيطرة الاستباقية إلى وضع الدفاع المتوتر.

تحول الذاكرة إلى أداة صراع

من منظور سياسي، تشكل الأربعينية آلية لإعادة إنتاج الذاكرة الجمعية. فبدلاً من أن تُفضي المجازر إلى تفكيك الاحتجاج، تتحول إلى رافعة تعبئة. هذه الدينامية، التي برزت بوضوح في خطاب رجوي، تقوم على ثلاث ركائز: تمجيد التضحية، وتجريم القمع، وربط الدم بالمستقبل السياسي.

في هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي تؤديه منظمة مجاهدي خلق الإيرانية ضمن إطار المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، حيث يجري العمل على تحويل الاحتجاجات العفوية إلى بنية تنظيمية مستدامة عبر “وحدات المقاومة”. الرهان هنا ليس على الانفجار اللحظي، بل على الاستنزاف طويل الأمد لبنية السلطة.

أزمة الشرعية المتفاقمة

يواجه النظام الإيراني تحدياً مركباً: داخلياً، تتآكل شرعيته الاجتماعية نتيجة الفجوة بين الدولة والمجتمع؛ وخارجياً، تتزايد الضغوط السياسية والحقوقية. إن استهداف الأطباء والممرضين، كما تشير الرسالة، يوسع دائرة الصراع لتشمل قطاعات مهنية كانت تاريخياً أقل انخراطاً في المواجهة.

هذه التطورات تضع النظام أمام معادلة صعبة: كل تصعيد أمني يُنتج رد فعل مجتمعي أوسع، وكل محاولة لإخماد الصوت تُحوّل الضحية إلى رمز. بذلك، تتحول سياسة الردع إلى عامل مضاعف للاحتقان، بدلاً من أن تكون أداة استقرار.

الانتفاضة المنظمة كخيار استراتيجي

أحد أبرز محاور الرسالة هو التأكيد على أن النصر “قادِم لا محالة عبر الانتفاضة المنظمة”. هذا الطرح يعكس انتقال الخطاب من الرهان على التراكم العفوي إلى بناء استراتيجية تغيير ممنهجة.  فالتجارب السابقة أظهرت أن الاحتجاج غير المنظم، مهما بلغ زخمه، قد يتبدد في ظل القمع المنهجي.

في المقابل، التنظيم يمنح الحركة قدرة على الاستمرارية، وتوزيع الأدوار، وتفادي الاختراق. ومن منظور مراكز الأبحاث، فإن تحول الاحتجاج إلى بنية شبكية مرنة يشكل التحدي الأكثر جدية أمام نظام يعتمد على المركزية الأمنية الصلبة.

خلاصة استراتيجية: من الحداد إلى لحظة اختبار

أربعينية يناير 2026 ليست مجرد طقس رمزي، بل محطة اختبار لتماسك النظام الإيراني وقدرته على احتواء موجة احتجاج تتسم بعمق اجتماعي واتساع جغرافي. الرسالة التي وجهتها رجوي تسعى إلى تثبيت معادلة واضحة: الدم لا يُخيف الشارع، بل يعمّق عزمه؛ والقمع لا يُنهي الانتفاضة، بل يعيد إنتاجها بصيغ أكثر تنظيماً.

في ميزان القوى الراهن، لا يبدو أن النظام يمتلك أدوات سياسية موازية لأدواته الأمنية. غياب الإصلاح البنيوي، واستمرار الاعتماد على القبضة الحديدية، يعمّقان مأزق الشرعية. ومع كل أربعينية، تتجدد الذاكرة، ويتحول الحداد إلى إعلان استمرار الصراع.

بهذا المعنى، تمثل ذكرى الشهداء نقطة التقاء بين الرمز والسياسة، وبين العاطفة والاستراتيجية. والسؤال لم يعد إن كانت الاحتجاجات ستتجدد، بل إلى أي مدى يمكن لنظام قائم على الاحتكار الأمني للسلطة أن يصمد أمام حركة تسعى إلى تحويل الألم إلى مشروع تغيير منظم ومستدام.

د. سامي خاطر أكاديمي و أستاذ جامعي