استراتيجيات الاختراق الإيراني وشبكات النفوذ السري في الساحة الأوروبية والفرنسية
نشرت صحيفة لوديبلوماطالفرنسية تقريراً استقصائياً مطولاً عبر موقعها الرسمي يسلط الضوء على آليات وشبكات النفوذ السري التي أسسها النظام الإيراني لاختراق المجتمعات والنخب الأوروبية، مع اتخاذ فرنسا كساحة رئيسية لهذه العمليات. ويوضح التقرير أن هذه الاستراتيجية الممنهجة، التي بدأت ملامحها منذ عام 2003 وتكثفت خلال مفاوضات الملف النووي بين عامي 2013 و2015، تجمع بين الدبلوماسية الكلاسيكية وأدوات اختراق ناعمة تشمل الأكاديميين، ومراكز الأبحاث، والجمعيات الثقافية، والمجموعات البرلمانية.
وتأتي أهمية كشف هذه الشبكات في توقيت استراتيجي حساس، حيث يواجه النظام الإيراني عزلة داخلية خانقة إثر موجات الاحتجاجات المتتالية، لا سيما القمع الدموي لانتفاضة أواخر عام 2025 وبداية 2026، إلى جانب تراجع نفوذه الإقليمي بعد الضربات التي أضعفت وكلاءه في الشرق الأوسط، مما يجعله أكثر اعتماداً على شبكاته الأوروبية لتخفيف الضغوط وإضفاء الشرعية على سياساته.
ويستند التقرير في كشفه لهذه الشبكات إلى سلسلة من التسريبات والتقارير الموثقة، أبرزها ما نشره موقع سيمافور استناداً إلى آلاف المراسلات الإلكترونية المسربة لوزارة الخارجية الإيرانية، والتي كشفت عن مشروع يُعرف بـ مبادرة خبراء إيران (IEI). وتهدف هذه المبادرة، التي أشرف عليها مسؤولون إيرانيون مثل سعيد خطيب زاده، إلى تجنيد شخصيات من الجيل الثاني من الإيرانيين في الشتات، وزرعهم كخبراء مستقلين داخل مراكز الأبحاث والمؤسسات الغربية لتوجيه النقاشات بما يخدم مصالح طهران.
وأشار التقرير إلى أسماء بارزة ضمن هذا السياق، مثل أريان طباطبائي التي شغلت مناصب حساسة في البنتاغون ضمن فريق المبعوث الأمريكي روبرت مالي، ودينا اسفندياري وعلي واعظ في مجموعة الأزمات الدولية. وتعمل هذه الشخصيات، بحسب التقرير، على ترويج السردية الإيرانية، والدعوة إلى تقديم تنازلات غربية، وتهميش المعارضة الديمقراطية، وهو ما يتقاطع مع نتائج تقرير أصدقاء إيران حرة (FoFI) الصادر في نوفمبر 2023، والذي رسم خريطة مفصلة لشبكات الضغط الإيرانية داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
وعلى الساحة الفرنسية، يستعرض التقرير نتائج تحقيق شامل يقع في 86 صفحة نُشر في خريف عام 2025 تحت إشراف جيل بلاتريه لصالح مؤسسة فرنسا 2050، والذي يصف السفارة الإيرانية في باريس بأنها المحور المركزي والمنصة القارية لإدارة النفوذ الإيراني في أوروبا. ويوثق التحقيق دور شخصيات ذات هوية مزدوجة مثل علي رضا خليلي، الذي يجمع بين صفته كمدير لمكتب السفير الإيراني، ورئاسته لـ المركز الفرنسي الإيراني (CFI)، وعمله كأستاذ جامعي. ويسمح هذا التداخل باختراق الأوساط السياسية والإعلامية والطلابية تحت غطاء التبادل الثقافي الأكاديمي. ولا يقف نشاط النظام عند هذا الحد، بل يمتد، كما يذكر التقرير، إلى التورط في أعمال إرهاب حكومي عبر عملاء استخبارات يعملون بغطاء دبلوماسي، مستشهداً بقضية أسد الله أسدي الذي أُدين بتدبير محاولة تفجير مؤتمر المعارضة الإيرانية في باريس عام 2018.
ويمتد نطاق الاختراق الإيراني ليصل إلى عمق المؤسسات التشريعية والأكاديمية، حيث يُبرز التقرير مخاطر تفعيل مجموعة الصداقة الفرنسية الإيرانية في الجمعية الوطنية الفرنسية برئاسة النائبة الاشتراكية عايدة هاديزاده. ويحذر التقرير من غياب الشفافية في هذه المجموعات البرلمانية، مشيراً إلى مبادرات هاديزاده المثيرة للجدل، مثل اقتراحها استضافة السفير الإيراني في البرلمان، ودعوتها لحوار مع نجل الشاه مع إقصاء منظمة مجاهدي خلق المعارضة، وهو موقف يتطابق تماماً مع الخطاب الرسمي لطهران. وفي المجال الأكاديمي، كشف التقرير عن استغلال الندوات الجامعية، كندوة جامعة السوربون في يونيو 2025، والتي شاركت في تنظيمها مؤسسات مرتبطة بوزارة الثقافة الإيرانية، لتلميع صورة النظام عبر شخصيات مثل كيفان غفايتي الذي حاول التقليل من حجم القمع الدموي في إيران عبر وسائل الإعلام الفرنسية.
وفي ختام التقرير، تُسلط صحيفة لو ديبلوماط الضوء على أساليب التجنيد الإيرانية التي تعتمد على الابتزاز واستغلال حاجة الإيرانيين في الشتات والصحفيين لتأشيرات الدخول، مما يخلق حالة من الولاء القسري لخدمة أجندة النظام، وهو ما أكدته تقارير المخابرات الألمانية وشهادات صحفيين. ويؤكد التقرير أن أوروبا تعاني من نقاط ضعف هيكلية ناتجة عن تركيزها على التدخلات الروسية والصينية وإهمال التهديد الإيراني، مقدماً توصيات مبنية على نهج واقعي تتضمن ضرورة إنشاء سجل أوروبي وفرنسي دقيق للكيانات المرتبطة بدول أجنبية، وفرض رقابة صارمة وشاملة على المجموعات البرلمانية، وإجراء عمليات تدقيق أمني للأكاديميين والجامعات لتجفيف منابع هذا الاختراق المستتر الذي يستغله النظام الإيراني كسلاح سياسي فاعل ومنخفض التكلفة.

