لا عودة إلى الاستبداد: ميونيخ تكشف البديل الديمقراطي في مواجهة نظام الملالي
ميونيخ كنقطة اختبار للشرعية
على هامش مؤتمر الأمن الدولي في ميونيخ، وفي توقيت بالغ الدلالة، جاءت تصريحات جون بركو لتعيد طرح السؤال الجوهري في الملف الإيراني: من يملك الشرعية لقيادة إيران ما بعد الملالي؟
فبينما يحاول النظام الإيراني توظيف الدبلوماسية الأمنية لإعادة إنتاج نفسه، كانت شوارع ميونيخ تشهد مظاهرة “الإيرانيين الأحرار” بوصفها تعبيرًا سياسيًا مضادًا، يربط بين الأمن الدولي وسقوط الأنظمة القمعية.
تفكيك معادلة الماضي: لا لنظام الشاه ولا لنظام الملالي
تميّز موقف بركو بوضوح استثنائي في رفض ثنائية زائفة لطالما رُوّج لها: إما نظام الملالي أو العودة إلى الشاه.
تصريحه القاطع بأن البديل عن ديكتاتورية الملالي ليس العودة إلى الماضي، ولا إلى “ابن الشاه” أو أي صيغة إقطاعية جديدة، يعكس إدراكًا متقدمًا لطبيعة الصراع في إيران: صراع بين الاستبداد بمختلف أشكاله، وبين مشروع ديمقراطي حديث.
هذا الموقف ينسف محاولات إعادة تدوير أنظمة ساقطة، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية: دعم خيار الشعب، لا الحنين إلى استبداد مُجرَّب.
رسالة إلى تظاهرة الإيرانيين الأحرار بالتزامن مع مؤتمر ميونيخ الأمني
— مریم رجوي (@Maryam_Rajavi_A) February 13, 2026
المجتمع الإيراني يسير في طريق الثورة الديمقراطية من أجل إقامة جمهورية ديمقراطية
إنّ بحر الدماء الذي سال من جسد شعبنا المناضل من أجل الحرية، يحمل ثلاث رسائل تغييرية:
أولاً: أثبت مرة أخرى العزم الحاسم وغير القابل… pic.twitter.com/RMH4673zRv
المجلس الوطني: الفاعل المنظّم لا البديل الافتراضي
حين يصف بركو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بأنه “أفضل تجسيد للمقاومة الديمقراطية”، فهو لا يمنح شهادة مجاملة، بل يقدّم تقييمًا سياسيًا مبنيًا على معايير التنظيم والبرنامج والشرعية الشعبية.
ففي مقابل نظام يقوم على ولاية الفقيه، والقمع، وتصدير الأزمات، يبرز المجلس الوطني كفاعل يمتلك:
- بنية تنظيمية مستقرة
- مشروعًا سياسيًا مكتوبًا
- امتدادًا شعبيًا داخل إيران وخارجها
مريم رجوي: قيادة سياسية لا رمزية
وصف بركو للسيدة مريم رجوي بأنها “أشجع امرأة رآها في حياته” يتجاوز الإطراء الشخصي، ليضعها في إطار القيادة السياسية الحديثة.
رجوي لا تُقدَّم كرمز أخلاقي فحسب، بل كقائدة مشروع بديل، يقف على النقيض الكامل من نموذج الحكم الثيوقراطي الذكوري المغلق الذي يحكم إيران منذ 1979.
خطة النقاط العشر: من إسقاط النظام إلى بناء الدولة
في لحظة تعاني فيها المعارضة الإيرانية من محاولات التشويه والتفكيك، تبرز خطة النقاط العشر بوصفها خارطة طريق انتقالية واضحة:
دولة مدنية، وفصل الدين عن الدولة، ومساواة كاملة، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران غير نووية، واحترام حقوق القوميات.
أهمية هذه الخطة لا تكمن فقط في مضمونها، بل في كونها إطارًا عمليًا لمرحلة ما بعد السقوط، وهو ما يفتقده خصوم النظام الآخرون، سواء من بقايا الملكية أو من تيارات بلا قاعدة تنظيمية.
نظام في حالة تآكل استراتيجي
وصف بركو للنظام الإيراني بأنه “وصمة عار لا توصف” و”كيان متعفّن” يعكس حقيقة استراتيجية:
النظام يعيش أزمة شرعية داخلية، واستنزافًا اقتصاديًا، وعزلة دولية متزايدة، رغم محاولات الالتفاف عبر المفاوضات أو التصعيد الإقليمي.
الأهم أن هذا النظام بات أكثر هشاشة من أي وقت مضى، في ظل تصاعد الاحتجاجات، وتآكل الخوف، واتساع الهوة بين الدولة والمجتمع.
خلاصة استراتيجية: المستقبل يُصنع لا يُستعاد
رسالة ميونيخ واضحة: لا مستقبل لإيران في استنساخ الماضي، ولا في استمرار حكم الملالي.
المعادلة الجديدة التي تتبلور دوليًا تربط بين أمن العالم وتحرر الشعب الإيراني، وبين الضغط السياسي والاعتراف بالبديل الديمقراطي المنظم.
في هذا السياق، لا تبدو تصريحات جون بركو مجرد موقف فردي، بل مؤشرًا على تحوّل أعمق: انتقال النقاش من سؤال “هل يسقط النظام؟” إلى سؤال “من يحكم بعده؟” — والإجابة باتت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
عبدالرزاق الزرزور محامي وناشط حقوقي سوري


