إيران في القفص المالي الدولي: بقاء النظام على اللائحة السوداء وتآكل شرعيته الاقتصادية
قرار مكسيكو سيتي: تثبيت العزلة
في اجتماعها العام المنعقد بين 11 و13 فبراير 2026 في مكسيكو سيتي، أعلنت مجموعة العمل المالي إبقاء إيران ضمن قائمة الدول عالية المخاطر الخاضعة لـ الدعوة لاتخاذ إجراءات. القرار لم يكن إجرائياً، بل سياسياً–مالياً بامتياز، إذ أعاد تثبيت صورة النظام بوصفه كياناً غير ممتثل لقواعد الشفافية الدولية، وعاجزاً — أو غير راغب — في مواءمة بنيته المالية مع معايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
بهذا التثبيت، تتكرّس عزلة بدأت فعلياً منذ إعادة إدراج طهران في القائمة السوداء عام 2020، بعد فشلها في استكمال خطة العمل المتفق عليها منذ 2016.
تعهدات بلا مضمون: أزمة إرادة لا أزمة قدرة
أشارت المجموعة إلى أن طهران قدّمت في يناير 2026 تقريراً حول مسار التصديق على اتفاقيتي “باليرمو” و”CFT”. غير أن التوصيف الرسمي جاء حاسماً: تعهدات عامة وفضفاضة لا ترقى إلى مستوى التنفيذ الفعلي.
تحليل هذا التباين يكشف أن المشكلة ليست تقنية. فالمعايير المطلوبة واضحة، وآليات الامتثال معروفة. الإخفاق يعكس تناقضاً بنيوياً داخل النظام: الالتزام الحقيقي بمعايير الشفافية يفرض تفكيك شبكات مالية موازية تُستخدم لتمويل أنشطة خارج الأطر النظامية. وبالتالي، يصبح الامتثال تهديداً لمراكز قوة داخلية تستفيد من الغموض والاقتصاد الموازي.
النتيجة العملية: تشديد الخناق المالي
إبقاء إيران على اللائحة السوداء يعني استمرار — وربما تصاعد — التدابير المضادة: رفض تأسيس فروع لمؤسسات مالية إيرانية في الخارج، وتقييد العلاقات المصرفية، وتشديد الرقابة على التحويلات، بما في ذلك الأصول الافتراضية والعملات الرقمية.
هذا الإطار لا يقتصر على البنوك، بل يطال سلاسل الإمداد والاستثمار والتأمين والشحن. عملياً، يترسّخ ما يمكن وصفه بـ القفص المالي الدولي: كلفة تحويل الأموال ترتفع، والمخاطر القانونية تتضاعف، والشركات الخاصة تنسحب تجنباً للتعرّض لعقوبات ثانوية أو مخاطر امتثال.
وفي حين شدّدت المجموعة على عدم عرقلة المساعدات الإنسانية والغذاء والدواء ضمن نهج “قائم على المخاطر”، فإن المسار العام يظل تضييقياً ما لم يتحقق تقدم ملموس.
تآكل داخلي وتصلّب خارجي
اقتصادياً، تتراكم آثار القرار على بيئة استثمار متآكلة أصلاً، وعلى عملة ضعيفة، وعلى قطاع خاص يعاني من شحّ التمويل. سياسياً، يوجّه القرار رسالة بأن المجتمع الدولي لم يعد يكتفي بوعود مرحلية.
في المقابل، يواصل النظام خطاباً مزدوجاً: إعلان الاستعداد للإصلاح من جهة، ومقاومة أي شفافية قد تكشف مسارات التمويل غير الخاضعة للرقابة من جهة أخرى. هذا التناقض يعمّق فجوة الثقة ويحوّل كل جولة تفاوضية إلى اختبار مصداقية يفشل فيه النظام مراراً.
قراءة في ميزان القوى: ضغط يتراكم
تُشير القراءات التحليلية للمشهد الراهن إلى أن القرار الأخير يعد دليلاً ملموساً على أن المنظومة المالية للنظام باتت تشكل عبئاً دولياً، وأن استمرار الغموض في التعاملات المالية يرتبط بشكل وثيق ببنية إدارية مغلقة. وفي هذا الصدد، تبرز ضرورة أن يمر أي اندماج اقتصادي حقيقي عبر إصلاحات هيكلية شاملة تفصل بين مؤسسات الدولة والأجهزة الموازية، مع إخضاع كافة التدفقات المالية لرقابة مؤسسية مستقلة وشفافة.
وبصرف النظر عن تباين وجهات النظر حول هذه المتطلبات، فإن الاتجاه العام يظل واضحاً: الضغط المالي لم يعد مجرد أداة رمزية، بل أصبح رافعة استراتيجية تؤثر بشكل مباشر وعميق في الحسابات والسياسات الداخلية.
السيناريوهات المحتملة: بين الامتثال والتصعيد
أمام طهران ثلاثة مسارات:
- امتثال فعلي يتطلب تشريعات تنفيذية، ورقابة مستقلة، وشفافية كاملة — وهو مسار عالي الكلفة سياسياً على مراكز النفوذ.
- مناورة زمنية عبر تقارير شكلية وتمديدات غير منتجة — وهو ما أثبت محدوديته.
- تصعيد مضاد عبر توسيع قنوات بديلة وغير رسمية — ما يفاقم العزلة ويرفع مخاطر التدابير الإضافية التي لوّحت بها المجموعة.
التحوّل المؤجَّل: كلفة المراوحة الاستراتيجية
قرار إبقاء إيران على اللائحة السوداء ليس حدثاً دورياً، بل مؤشر ثقة سلبي طويل الأمد. إنه يختبر قدرة النظام على الاختيار بين الانخراط في قواعد الاقتصاد العالمي أو الاستمرار في نموذج يقوم على الغموض والاقتصاد الموازي.
في ميزان النتائج، تتراكم الكلفة على الداخل الإيراني، بينما تتآكل شرعية النظام الاقتصادية خارجياً. وبينما يراهن على الوقت، تبدو المنظومة الدولية مصمّمة على ربط أي تخفيف بإثباتات تنفيذية لا لبس فيها. في هذه المعادلة، لا تكفي التعهدات؛ المطلوب تحوّل بنيوي — وحتى إشعار آخر، لا مؤشرات على حدوثه.
د. سامي خاطر آكاديمي وأستاذ جامعي


