“متلازمة الجلبي” وخطر استنساخ الكوارث.. حرية إيران تُصنع في الميادين ولا تُستورد من الخارج
في المنعطفات التاريخية الحاسمة، وحين تُكتب ملاحم التحرر بدماء الشباب في الشوارع، يبرز التساؤل المصيري: من يملك حق تقرير مصير الأوطان؟ هل هم أبناؤها الذين يواجهون الرصاص بصدورهم، أم جماعات الضغط (اللوبيات) القابعة في العواصم الغربية؟
إن مصطلح “متلازمة الجلبي” يتجاوز كونه مجرد استعارة سياسية؛ بل هو جرس إنذار يستحضر كارثة حقيقية عاشتها منطقتنا. فالتجربة العراقية تقف شاهداً مريراً على مآلات فرض “بديل سياسي” معلب من الخارج، والذي لم يُنتج سوى دولة فاشلة، وتمزق سياسي، ودوامة من الصراعات المستمرة حتى يومنا هذا.
شبح “البديل المستورد” والرهان الخاسر
في ظل تصاعد الغضب الشعبي في إيران، واتساع رقعة الاحتجاجات التي يقودها الطلاب والعمال، يطل شبح هذا السيناريو الكارثي برأسه من جديد. فبدلاً من دعم النضال العضوي وتشكيلات المقاومة في الداخل، تحاول بعض الأطراف القفز إلى السلطة عبر استجداء التدخل العسكري الأجنبي واتخاذه طريقاً مختصراً للحكم.
في هذا السياق، وجه الجنرال الأمريكي السابق، جاك والد، تحذيراً صريحاً من مغبة هذا المسار. فقد أبدى قلقه العميق إزاء دعوات رضا بهلوي (نجل الشاه المخلوع) الرامية إلى استدعاء تدخل عسكري أمريكي. وأكد الجنرال أن محاولة الوصول إلى سدة الحكم بالاعتماد على الحراب الأجنبية، عوضاً عن بناء قاعدة سياسية وتنظيمية حقيقية داخل البلاد، ستفتح أبواب الجحيم وتجر وراءها عواقب وخيمة.
طوق نجاة لـ “نظام الملالي”
إن الخطورة في هذا الطرح لا تقتصر على فكرته فقط، بل تمتد إلى تداعياته الكارثية على الأرض. فعندما يطل شخص يدّعي معارضة النظام عبر الشاشات ليطالب بتوجيه ضربات عسكرية أجنبية لبلاده، فإنه يقدم بذلك “هدية مجانية” لـ نظام الملالي.
مثل هذه الدعوات تمنح أجهزة القمع ذريعة ذهبية لتصعيد بطشها، وتخوين الحراك الشعبي الأصيل، ووصم المحتجين بالعمالة للخارج. وفي النهاية، لا يدفع ثمن هذه المزايدات الرخيصة سوى شباب الانتفاضة في الداخل.
تحذيرات دولية: لا لعودة “نظام الشاه”
تنسجم هذه المخاوف مع الرؤية العميقة التي طرحها شارل ميشيل، الرئيس السابق للمجلس الأوروبي، والذي أكد على ضرورة حماية مستقبل الشعب الإيراني من التعرض لـ “السرقة” مرة أخرى. وشدد ميشيل على أن أي مسار أُحادي يتجاهل القيم الديمقراطية هو مسار مقلق، خاصة عندما نستحضر الذكريات المظلمة والمريرة لدكتاتورية نظام الشاه.
تثبت التجارب الإقليمية بما لا يدع مجالاً للشك أن الديمقراطية لا تُنقل عبر صناديق الذخيرة الخارجية. فأي سلطة تُنصب على دبابات التدخل العسكري، ستظل أبد الدهر أسيرة لإملاءات الخارج وحساباته الإقليمية.
الخاتمة: القرار في الميادين، لا في الاستوديوهات
إن مصير إيران لن يُرسم في أروقة اللوبيات، ولا في استوديوهات الإعلام الغربي الدافئة؛ بل سيُحسم في شوارع طهران، والأهواز، وسنندج، وتبريز، وزاهدان، وأصفهان، ومشهد. سيُحسم بسواعد العمال، وهتافات الطلاب، وإرادة المحتجين الذين أعلنوا قطيعتهم الأبدية مع الاستبداد بكافة أشكاله.
الرهان الرابح والوحيد هو الرهان على الإرادة الشعبية الحرة، وليس على أساطيل الطائرات الحربية. الكلمة الفصل يملكها الإيرانيون أنفسهم، وليس عواصم القرار البعيدة.
هذا هو الدرس الأهم الذي يجب استيعابه من “متلازمة الجلبي”، وهو التحذير الذي يجب أن يُحفر في الذاكرة قبل أن يُسمح للتاريخ بأن يعيد إنتاج مآسيه.

