الانهيار الاقتصادي ودماء شهداء الانتفاضة يدفعان النظام الإيراني نحو الهاوية
لم تعد أزمة النظام الإيراني محصورة في هتافات الشوارع، بل باتت تنعكس بوضوح في أسعار الخبز، وموائد رمضان الخاوية، ونبرة القلق التي تسيطر على وسائل الإعلام الرسمية. ومع تصاعد التحذيرات الصادرة حتى عن صحف محسوبة على أجنحة السلطة، تتشكل صورة مرحلة غير مسبوقة من الهشاشة، يتقاطع فيها الانهيار الاقتصادي مع تداعيات انتفاضة يناير 2026.
خط الخبز الأحمر… التضخم كمُعجّل للانفجار
أثار الجدل حول أسعار الخبز مخاوف واسعة داخل الأوساط الرسمية، إذ حذرت صحف حكومية من أن أي صدمة سعرية جديدة قد تكون بالغة الخطورة في ظل تضخم منفلت وتآكل مستمر في القدرة الشرائية. وتشير تقارير داخلية إلى أن شرائح واسعة من المجتمع لم تعد قادرة على شراء اللحوم، فيما أصبحت الدواجن والبيض خارج متناول كثيرين، ليبقى الخبز العنصر الأساسي والأخير على موائد الأسر محدودة الدخل.
في السياق الإيراني، لا يمثل الخبز مجرد سلعة غذائية، بل يعد مؤشراً سياسياً حساساً. وعندما تدعو منابر رسمية إلى تجنب المساس بدعمه خشية اضطرابات اجتماعية، فإن ذلك يعكس إدراكاً عميقاً لهشاشة الاستقرار، ويؤكد أن التضخم تحول من مؤشر اقتصادي إلى عامل تسريع للغضب الشعبي.
تقشف رمضان… مؤشرات الانكماش الاجتماعي
خلال شهر رمضان، برزت مظاهر التدهور الاقتصادي بصورة أوضح. فقد أشارت تقارير صحفية إلى تراجع واضح في التجمعات العائلية التقليدية، وانخفاض حاد في مبيعات الحلويات والأطعمة المرتبطة بالموسم. ويتحدث تجار عن ركود غير مسبوق، حتى في سلع كانت تشهد طلباً مرتفعاً تاريخياً خلال هذا الشهر.
وفي سوق الألبان، تعكس الأسعار المرتفعة حجم الأزمة المعيشية، حيث باتت بعض المنتجات الأساسية خارج قدرة الكثير من المستهلكين. وتكتسب هذه الشهادات أهمية خاصة لأنها صادرة عن وسائل إعلام مرخصة داخل البلاد، ما يمنحها بعداً إضافياً في قراءة عمق الأزمة البنيوية.
شبح يناير… الحقيقة والمحاسبة
إلى جانب الضغوط الاقتصادية، لا تزال تداعيات انتفاضة يناير 2026 حاضرة في المشهد السياسي. فالأحداث التي شهدتها البلاد في الثامن والتاسع من يناير تركت أسئلة مفتوحة حول أعداد الضحايا والمسؤوليات، وسط مطالب متزايدة بالشفافية والمحاسبة.
وقد صدرت دعوات من شخصيات برلمانية سابقة تطالب بنشر قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي المتعلقة بتلك الأيام، معتبرة أن كشف الحقائق يمثل خطوة أولى نحو استعادة الثقة. ويعكس استخدام تعبيرات حادة في الخطاب الداخلي تحوّلاً في مستوى النقاش العام حول تلك الأحداث.
مأزق الشفافية وتآكل الثقة
يقف النظام أمام معادلة معقدة: فالإفصاح الكامل قد يفتح الباب أمام مساءلات سياسية حساسة، في حين أن استمرار الغموض يعمق فجوة الثقة مع المجتمع. وفي هذا السياق، أقر بعض رجال الدين والأكاديميين المرتبطين بالمؤسسة الرسمية بأن المجتمع بات مرهقاً من الوعود غير المنجزة، وأن الشعور بالتدهور المعيشي يتسع بين مختلف الطبقات.
هامش خطأ يضيق
تتقاطع أزمة الخبز، وتقشف رمضان، والمطالبة بالحقيقة حول أحداث يناير في مشهد واحد يعكس توتراً اجتماعياً متراكماً. فالإصلاح الاقتصادي دون معالجة سياسية يظل محدود الأثر، والقمع دون شفافية يعمق الاحتقان، أما الشفافية دون تغيير ملموس فقد تهدد توازنات قائمة داخل مراكز القوى.
في ظل هذه المعادلات، يبدو أن هامش الخطأ يتقلص تدريجياً. وعندما تصدر إشارات التحذير من داخل المنظومة الإعلامية ذاتها، فإن ذلك يعكس إدراكاً بأن الأزمة لم تعد ظرفية، بل باتت تمس أسس العقد الاجتماعي، في لحظة توصف بأنها من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

