من ضرب المراكز الأمنية إلى إعلان الحكومة المؤقتة : هل دخل نظام الملالي مرحلة الانكشاف النهائي؟
عبدالرزاق الزرزور
محامي و ناشط حقوقي سوري
تشير المعطيات الأخيرة الصادرة عن المواقع، إلى انتقال نوعي في طبيعة المواجهة داخل إيران: من احتجاجات متفرقة إلى استراتيجية استنزاف ممنهجة تستهدف العمود الفقري الأمني للنظام. في مقابلة مع شبكة “صوت أمريكا الحقيقي”، قدّم علي صفوي قراءة ميدانية تُظهر تصاعد عمليات وحدات المقاومة ضد مقار الحرس والباسيج، معتبراً أن ما يجري ليس مجرد رد فعل على أحداث ظرفية، بل مرحلة متقدمة من المواجهة المنظمة. ووفق هذا التصور، لم تعد المعركة سياسية رمزية، بل باتت تستهدف مباشرة أدوات القمع التي يرتكز إليها نظام ولاية الفقيه.
توجيهات مريم رجوي: حماية المجتمع وتفعيل المقاومة
في خضم القصف الجوي والتوترات الأمنية، شددت مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة، على أولوية حماية المدنيين والبنية التحتية، داعية المواطنين إلى تجنب مناطق الخطر، ومساعدة الجرحى، والحفاظ على المرافق العامة. هذا التوجيه يحمل دلالتين استراتيجيتين :
أولاً، سعي المعارضة إلى ترسيخ صورة فاعل سياسي مسؤول لا يغامر بالمجتمع في لحظة اضطراب.
ثانياً، الفصل بين استهداف مؤسسات القمع وبين المساس بالمجتمع، بما يعزز سردية أن الصراع هو مع منظومة الحكم لا مع الدولة كمفهوم وطني.
في المقابل، صعّدت وحدات المقاومة عملياتها ضد مراكز الحرس والباسيج، فيما يبدو كتنفيذ عملي لتوجيه سياسي يوازن بين الانضباط التنظيمي والضغط الميداني.
قم تحت النار: كسر الهيبة الدينية للنظام
العملية التي كُشف عنها في مدينة قم، المعقل الديني الأبرز للنظام، تحمل بعداً رمزياً بالغ الحساسية. فاستهداف مقر أحد أئمة صلاة الجمعة، واقتحامه ومصادرة الأسلحة، لا يقتصر على بعد أمني، بل يمثل تحدياً مباشراً للشرعية الدينية التي يتكئ عليها النظام. إذا صحت هذه المعطيات، فإنها تعكس قدرة وحدات المقاومة على الاختراق داخل أكثر البيئات تحصيناً أيديولوجياً وأمنياً. فقم ليست مدينة عادية، بل تُعد مركز الثقل العقائدي للنظام. وأي اختراق فيها يضرب سردية الحصانة المطلقة التي طالما روّج لها الحكم.
250 مقاتلاً واختبار المجمع المحصن
الأكثر دلالة في تصريحات صفوي كان استذكاره لهجوم منسق نفذه 250 مقاتلاً على مجمع محصن يُنسب إلى الولي الفقيه، علي خامنئي قبل أسبوع من استهدافه بضربات أمريكية. ورغم سقوط نحو 100 شخص بين قتيل ومعتقل، تمكن 150 من الانسحاب. بغض النظر عن التفاصيل العملياتية، فإن الرسالة السياسية واضحة : النظام لم يعد قادراً على ضمان أمن رموزه العليا. والقدرة على حشد هذا العدد، والتخطيط لاختراق موقع بالغ التحصين، تشير إلى مستوى تنظيم متقدم يتجاوز الاحتجاجات العفوية. هذا النوع من العمليات، إن تكرر، قد يُحدث تحولاً في ميزان الردع الداخلي، حيث يصبح القمع أقل فعالية في ظل وجود بنية مقاومة قادرة على المبادرة لا الاكتفاء برد الفعل.
إعلان الحكومة المؤقتة: نقل المعركة إلى مستوى الشرعية
في هذا السياق الميداني المتصاعد، يأتي إعلان الحكومة المؤقتة للجمهورية الديمقراطية في إيران كخطوة سياسية مكملة. فقد أعلن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية تشكيل حكومة انتقالية لمدة ستة أشهر، مهمتها الحصرية تنظيم انتخابات حرة لتشكيل جمعية تأسيسية تضع دستوراً جديداً. تكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تنقل الصراع من مجرد إسقاط النظام إلى إدارة مرحلة ما بعده. فخطة النقاط العشر التي طرحتها رجوي تضع إطاراً لدولة تقوم على فصل الدين عن السياسة، والمساواة بين الجنسين، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران غير نووية. بهذا المعنى، تحاول المعارضة إغلاق الباب أمام أي فراغ سياسي محتمل، وتقديم نفسها كبديل مؤسساتي، لا مجرد قوة معارضة مسلحة أو احتجاجية.
نظام الملالي بين التصعيد والانكشاف
تتزامن هذه التطورات مع أزمة اقتصادية خانقة، وعزلة دولية متفاقمة، وتآكل في الشرعية الاجتماعية. ومع تصاعد العمليات ضد مراكزه الأمنية، يبدو النظام أمام خيارين كلاهما مكلف:
– إما التصعيد القمعي الشامل بما يحمله من مخاطر انفجار أوسع،
– أو قبول واقع أن معادلة الردع التقليدية لم تعد تعمل كما في السابق .
المؤشر الأبرز هو أن الصراع لم يعد يدور فقط حول بقاء النظام، بل حول من يمتلك مشروع الدولة البديلة. ومع إعلان الحكومة المؤقتة، دخلت المواجهة مرحلة تنافس على الشرعية السياسية، لا مجرد صدام أمني.
الخلاصة : معركة السيادة دخلت طورها الحاسم
إيران تقف اليوم أمام لحظة مفصلية. تصاعد هجمات وحدات المقاومة، مقروناً بإعلان حكومة انتقالية واضحة المعالم، يشير إلى أن المعارضة تسعى إلى فرض معادلة انتقال منظم للسلطة، لا مجرد إسقاط فوضوي. قد ينجح النظام في احتواء الموجة مؤقتاً عبر القبضة الحديدية، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن بنية الحكم تواجه تحدياً مركباً: أمنياً، سياسياً، ورمزياً. والسؤال لم يعد إن كان التغيير ممكناً، بل كيف ومتى وبأي كلفة سيحدث.


