طهران تحت الحصار
هل يكشف الاشتباك عند مقر خامنئي هشاشة القبضة الأمنية لنظام الملالي؟
عبدالرزاق الزرزور محامي وناشط حقوقي
اختراق في قلب الدائرة الصلبة
في 23 فبراير، تم تنفيذ عملية اشتباك مسلح في محيط مقر الولي الفقيه الإيراني علي خامنئي في حي باستور بطهران، في تطور وصفته أوساط متابعة بأنه أخطر تحدٍ أمني مباشر يطال قلب المنظومة الحاكمة منذ سنوات. موقع جاست ذا نيوز نقل تفاصيل الاشتباكات، مشيراً إلى سقوط قتلى وجرحى ومعتقلين من عناصر وحدات المقاومة، مقابل خسائر وُصفت بـ الفادحة في صفوف الحرس.
تكمن الأهمية الاستراتيجية للحدث في رمزيته: انتقال المواجهة من الأطراف إلى المركز السيادي الأكثر تحصيناً. فمحيط مقر خامنئي ليس مجرد عنوان جغرافي، بل يمثل عقدة أمنية معقدة ترتبط مباشرة بمفاصل القرار السياسي والعسكري.
استنفار شامل: عسكرة المجال الحضري
ردّ النظام جاء سريعاً وبنبرة تعكس قلقاً بنيوياً. مصادر من داخل الحرس تحدثت عن أوامر بـ “الاستنفار الكامل”، وإيفاد فرق خاصة من فيلق القدس لتعزيز الحماية حول ما يُعرف بـ “بيت خامنئي”. كما انتشرت وحدات “ثأر الله” بلباس عسكري ومدني من حسن آباد إلى ساحة الحر وجسر نواب، وتحول محيط “تئاتر شهر” في شارع الثورة إلى نطاق أمني مغلق عملياً.
الأخطر هو صدور تعليمات بإطلاق النار على “الحالات المشبوهة” ونصب حواجز إسمنتية جديدة، ما يعني أن النظام انتقل من نمط الاحتواء إلى عقيدة الردع الاستباقي داخل العاصمة. هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن التهديد لم يعد نظرياً أو خارجياً، بل بات داخلياً ومتمكناً من اختراق دوائر الحماية.
اعترافات غير مباشرة: صدع في جدار الصمت
رغم غياب تغطية مستقلة، أقرّت وسائل إعلام محسوبة على النظام بسماع انفجارات وهجمات متزامنة استهدفت محيط مقر خامنئي والمجلس الأعلى للأمن القومي. مثل هذه الاعترافات الجزئية تكسر نمط الإنكار المطلق الذي اعتادته المؤسسة الأمنية، وتشير إلى صعوبة احتواء الرواية في عصر تدفق المعلومات.
الأكثر دلالة كان ما نشره موقع “بولتن نيوز” القريب من الحرس، متسائلاً بمرارة: كيف يجرؤ “العدو” على الوصول إلى قلب طهران؟ هذا السؤال بحد ذاته يعكس حالة صدمة داخلية، ويشير إلى أن الثقة بفعالية القبضة الأمنية لم تعد مطلقة حتى داخل الدوائر الموالية.
خسائر بشرية وسرديات متضاربة
بحسب ما نقلته التقارير، عاد أكثر من 150 من مقاتلي وحدات المقاومة إلى قواعدهم، فيما تجاوز عدد القتلى والجرحى والمعتقلين من جانبهم المائة. في المقابل، لم تُعلن أرقام رسمية لخسائر الحرس، لكن استمرار دخول سيارات الإسعاف إلى المجمع حتى الظهيرة يوحي بأن المواجهة لم تكن محدودة.
هنا تتجلى معركة السرديات: النظام يتحدث عن مئات القتلى في صفوف خصومه، بينما تؤكد المقاومة أنها ستسلم أسماء ضحاياها للمنظمات الدولية. في الحالتين، تكشف الأرقام المتضاربة عن سعي محموم للسيطرة على الإدراك العام أكثر من مجرد توثيق الوقائع.
السياق الأوسع: من احتجاجات يناير إلى عسكرة العاصمة
لا يمكن فصل هذا التطور عن الحصيلة الدموية لاحتجاجات يناير. تقارير إعلامية دولية، بينها ما نقلته مجلة تايم، أشارت إلى تقديرات مرتفعة لعدد القتلى قد تصل إلى عشرات الآلاف، مقابل أرقام رسمية أقل بكثير. كما وثّقت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان آلاف الحالات مع استمرار التحقيق في أخرى.
هذه الفجوة بين الرواية الرسمية والوقائع الميدانية غذّت بيئة احتقان عميقة. وعندما تُغلق قنوات الاحتجاج السلمي بالقمع المفرط، يصبح انتقال بعض أطياف المعارضة إلى العمل المسلح احتمالاً متوقعاً في علم النزاعات، لا حدثاً معزولاً.
الدلالات الاستراتيجية: نظام في موقع دفاعي
ما حدث في باستور لا يعني بالضرورة تغيراً فورياً في موازين القوى، لكنه يكشف تحوّلاً مهماً: نظام الملالي بات يدير معركة دفاعية في قلب عاصمته. عسكرة الفضاء المدني، ونشر وحدات خاصة، وتوسيع صلاحيات إطلاق النار، كلها مؤشرات على أن القيادة تعتبر التهديد وجودياً لا ظرفياً.
سياسياً، سيعمد النظام إلى توظيف الحدث لتبرير مزيد من القمع وتشديد القبضة الأمنية. غير أن هذا الخيار يحمل كلفة تراكمية: تعميق القطيعة مع المجتمع، وزيادة عزلة إيران دولياً، وإبقاء الاقتصاد رهينة مناخ أمني خانق.
الخلاصة: بين الردع والانكشاف
الاشتباك في محيط مقر خامنئي يشكل نقطة اختبار لصلابة المنظومة الأمنية الإيرانية. فكلما اتسعت دائرة الانتشار العسكري داخل طهران، ازداد انطباع أن السلطة تحتمي بالقوة لا بالشرعية. وفي بيئة سياسية مسدودة، قد يتحول كل استنفار أمني إلى اعتراف ضمني بأن النظام، رغم ترسانته وأجهزته، يواجه تحدياً لم يعد قابلاً للاحتواء بالصمت أو الدعاية.
المعادلة الراهنة تشير إلى أن إيران تدخل مرحلة توازن قلق: نظام يتشدد دفاعياً، ومعارضة تختبر حدود الوصول إلى المركز. والنتيجة مفتوحة على سيناريوهات متعددة، لكن الثابت أن صورة الحصانة المطلقة التي أحاطت بدائرة القرار في طهران لم تعد كما كانت.


