الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

إيران بعد خامنئي لحظة الانكشاف الكبير بين التفكك الداخلي ومقامرة التصعيد الخارجي د. سامي خاطر هلاك الولي الفقيه: بداية الفراغ البنيوي لم يعد الحديث عن فراغ محتمل في موقع الولي الفقيه افتراضًا نظريًا.

إيران بعد خامنئي

إيران بعد خامنئي

لحظة الانكشاف الكبير بين التفكك الداخلي ومقامرة التصعيد الخارجي

 د. سامي خاطر

هلاك الولي الفقيه: بداية الفراغ البنيوي

لم يعد الحديث عن فراغ محتمل في موقع الولي الفقيه افتراضًا نظريًا. فبعد هلاك علي خامنئي، دخلت الجمهورية الإسلامية مرحلة انتقالية غير مسبوقة منذ عام 1989. الحدث ليس تغييرًا في الواجهة، بل تصدّع في مركز الثقل الذي كانت تتوازن حوله مؤسسات النظام الأمنية والعقائدية والسياسية. إن غياب الشخصية التي احتكرت القرار النهائي لعقود يفتح الباب أمام صراع أجنحة داخل البنية الحاكمة، ويعيد طرح سؤال الشرعية من أساسه.

أزمة خلافة خامنئي: صراع داخل البيت الواحد

يُفترض نظريًا أن يتولى مجلس خبراء القيادة اختيار خليفة للولي الفقيه. غير أن السياق الحالي أكثر تعقيدًا من أي انتقال سابق. المؤسسة الدينية لم تعد تمتلك الرصيد الشعبي الذي كانت تدّعيه، والحرس الثوري بات لاعبًا يتجاوز دوره العسكري إلى السياسي والاقتصادي. هذا التداخل يجعل من عملية الخلافة اختبارًا حقيقيًا لوحدة النظام.

السيناريو الأكثر ترجيحًا هو محاولة إنتاج ولي فقيه توافقي ضعيف، بما يسمح بتوزيع النفوذ فعليًا بين مراكز القوة. غير أن هذا الحل قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: تفكيك مركز القرار بدل إعادة ترميمه، ما يخلق حالة شلل استراتيجي في لحظة تحتاج فيها الدولة إلى حسم وسرعة.

التصعيد الإقليمي: استراتيجية الهروب إلى الأمام

في ظل هذا الفراغ البنيوي الذي أعقب هلاك علي خامنئي، لم يعد التصعيد الخارجي احتمالًا نظريًا، بل تحول إلى واقع ميداني مع بدء الهجوم الإيراني على دول الخليج. هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن سياقها الداخلي؛ فهي تعكس انتقال النظام من سياسة حافة الهاوية إلى تنفيذ فعلي لسيناريو الهروب إلى الأمام.  فبدل احتواء أزمة الخلافة وإعادة ترتيب البيت الداخلي، اختارت مراكز القوة الدفع نحو مواجهة إقليمية سريعة لفرض حالة تعبئة وطنية قسرية.

غير أن تحويل التوتر إلى عمل عسكري مباشر أو شبه مباشر يحمل مخاطر استراتيجية تتجاوز حسابات التكتيك القصير الأمد. فالهجوم يُقرأ إقليميًا ودوليًا باعتباره محاولة لإعادة إنتاج الشرعية عبر خلق عدو خارجي، لكنه في الوقت ذاته يضع طهران في مواجهة بيئة دولية أقل تسامحًا مع سياسات المغامرة. الردود المحتملة — سواء عبر تحالفات دفاعية خليجية مدعومة دوليًا، أو عبر عقوبات أشد تستهدف البنية الاقتصادية والأمنية للنظام — قد تُسرّع من تآكل تماسكه الداخلي بدل أن تعيد ترميمه.

بمعنى آخر، ما أراده صناع القرار في طهران كوسيلة لإعادة ضبط الإيقاع الداخلي قد يتحول إلى عامل تعجيل بانكشاف النظام، إذ إن توسيع رقعة الصراع في لحظة انتقال هشّة يزيد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع، ويُعمّق العزلة السياسية والاقتصادية في آن واحد.

إعلان الحكومة المؤقتة: ملء الفراغ قبل اتساعه

في هذا السياق، يكتسب إعلان مشروع الحكومة المؤقتة للجمهورية الديمقراطية في إيران أهمية استراتيجية. فقد شددت مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، في رسائلها الأخيرة على أن لحظة ما بعد خامنئي ليست وقتًا للفوضى، بل فرصة لإطلاق انتقال منظم نحو جمهورية ديمقراطية.

الطرح يقوم على فترة انتقالية محددة زمنيًا، تُدار خلالها شؤون الدولة بعيدًا عن هيمنة المؤسسة الدينية، مع الإعداد لانتخابات حرة بإشراف دولي. الرسالة الأساسية موجهة إلى الداخل والخارج معًا: البديل ليس انهيار الدولة، بل إعادة تأسيسها على قواعد حديثة تقوم على الفصل بين الدين والسياسة، وضمان الحريات الأساسية.

الشارع الإيراني: المتغير الحاسم

موت خامنئي يزيل أحد رموز السلطة، لكنه لا ينهي أسباب الاحتجاج. الاقتصاد المنهك، والفساد المستشري، والقمع المتراكم، كلها عوامل تغذي دينامية اجتماعية يصعب احتواؤها بمجرد إعادة ترتيب قمة الهرم. إن أي صراع علني بين أجنحة النظام سيمنح الشارع مساحة أوسع للتحرك، خصوصًا في ظل وجود خطاب معارض منظم يطرح بديلًا واضحًا.

المعادلة الدولية: بين الحذر والانخراط المشروط

العواصم الغربية والإقليمية تراقب بحذر. أولوية هذه الأطراف هي منع الانزلاق إلى فوضى غير منضبطة أو سباق داخلي على السلطة داخل المؤسسة الأمنية. لكن وجود مشروع معلن للحكومة المؤقتة يمنح المجتمع الدولي نقطة ارتكاز محتملة للتعامل مع مرحلة ما بعد النظام، إذا ما تسارعت الأحداث.

الخاتمة: لحظة إعادة تعريف إيران

موت خامنئي ليس نهاية حقبة فحسب، بل بداية اختبار وجودي للجمهورية الإسلامية. النظام أمام خيارين: إما محاولة إعادة إنتاج ذاته عبر صفقات داخلية وتصعيد خارجي محفوف بالمخاطر، أو مواجهة موجة تحول سياسي قد تعيد صياغة هوية الدولة. في الحالتين، تبدو إيران مقبلة على مرحلة سيولة عالية، حيث ستكون إدارة الفراغ العامل الفاصل بين تفكك متسارع وانتقال منظم نحو جمهورية ديمقراطية.