الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

إيران بعد صدمة الحرب: بين خدعة “ابن الشاه” وخيار الحكومة المؤقتة الديمقراطية مرحلة ما بعد الضربة: نظام يتآكل من الداخل تشير التطورات المتسارعة في المشهد الإيراني إلى دخول البلاد مرحلة تحول تاريخي غير مسبوق بعد الضربات الجوية الواسعة التي استهدفت البنية العسكرية للنظام.

إيران بعد صدمة الحرب: بين خدعة “ابن الشاه” وخيار الحكومة المؤقتة الديمقراطية

إيران بعد صدمة الحرب: بين خدعة “ابن الشاه” وخيار الحكومة المؤقتة الديمقراطية

تشير التطورات المتسارعة في المشهد الإيراني إلى دخول البلاد مرحلة تحول تاريخي غير مسبوق بعد الضربات الجوية الواسعة التي استهدفت البنية العسكرية للنظام. فقد أدت العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة إلى إضعاف شديد لمؤسسات القوة الصلبة للنظام الإيراني، بما في ذلك تدمير أجزاء كبيرة من قدراته البحرية والعسكرية التقليدية، إضافة إلى مقتل الولي الفقيه علي خامنئي وعدد من كبار قادة النظام، وفق ما نقلته تقارير وتحليلات منشورة في الصحافة الغربية.

مرحلة ما بعد الضربة: نظام يتآكل من الداخل

هذا الوضع خلق فراغاً استراتيجياً داخل بنية السلطة في طهران، وهو فراغ لا يقتصر على المستوى القيادي فحسب، بل يمتد إلى تآكل شرعية النظام نفسه. فالنظام الذي اعتمد لعقود على مزيج من القمع الأمني والهيمنة الأيديولوجية يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف: أجهزة أمنية مرتبكة، اقتصاد منهك، ومجتمع يعيش منذ سنوات حالة غليان سياسي واجتماعي.

في هذا السياق، لم يعد السؤال الرئيسي يدور حول ما إذا كان النظام سيتغير، بل حول أي بديل سياسي سيملأ الفراغ الذي يتشكل في إيران.

تحذير غربي: خدعة “ابن الشاه

ضمن هذا السياق المضطرب، نشرت صحيفة واشنطن إكزامينر تحليلاً لافتاً يحذر من محاولات تلميع صورة رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، باعتباره بديلاً سياسياً محتملاً للنظام القائم.

التحليل يشير إلى أن بعض الدوائر الإعلامية تحاول تصوير بهلوي كشخصية انتقالية يمكن أن تقود إيران في مرحلة ما بعد النظام. غير أن خبراء في الشأن الإيراني حذروا من مخاطر هذا السيناريو، مشيرين إلى أن غالبية الإيرانيين يرفضون العودة إلى النظام البهلوي الذي سقط عام 1979 بقدر رفضهم لاستمرار حكم الولي الفقيه.

الأكثر خطورة في هذا الطرح، بحسب التحليل، هو احتمال استغلال حرس النظام الإيراني لطموحات بهلوي السياسية. فقد كشفت تقارير استخباراتية غربية عن مؤشرات قوية على اختراق الدائرة المحيطة به من قبل شخصيات مرتبطة بطهران.

هذا السيناريو يفتح الباب أمام احتمال مناورة سياسية معقدة: عرض مشاركة بهلوي في ما يسمى “حكومة وحدة وطنية”، وهو طرح قد يبدو ظاهرياً خطوة نحو التغيير، لكنه في الواقع قد يسمح لبنية الدولة الأمنية التابعة للنظام بالبقاء في السلطة الفعلية.

بمعنى آخر، قد يتحول “ابن الشاه” إلى أداة لإعادة تدوير النظام وليس لإسقاطه.

الحرس الثوري: محاولة إعادة إنتاج السلطة

التحليل الذي نشرته الصحيفة الأمريكية يشير أيضاً إلى تحركات داخل حرس النظام الإيراني لإعادة ترتيب هرم القيادة بعد الضربات العسكرية الأخيرة. فقد تم تعيين أحمد وحيدي، المتهم بالتورط في عمليات إرهابية دولية، قائداً جديداً للحرس.

هذا التعيين يحمل دلالات واضحة. فبدلاً من الاتجاه نحو تخفيف القبضة الأمنية، يبدو أن النظام يسعى إلى تعزيز الطابع العسكري للسلطة.

غير أن هذه الاستراتيجية تعكس في الواقع حالة دفاعية أكثر مما تعكس ثقة بالنفس. فالحرس الثوري يدرك أن النظام يواجه تهديداً وجودياً، ما يدفعه إلى البحث عن صيغ سياسية تضمن بقاء نفوذه حتى في حال حدوث تغيير شكلي في السلطة.

وهنا يظهر خطر السيناريوهات التي تعتمد على وجوه سياسية غير قادرة على مواجهة الدولة العميقة للنظام.

الخيار البديل: مشروع الحكومة المؤقتة الديمقراطية

في مقابل هذه السيناريوهات، تبرز مبادرة سياسية مختلفة تقودها المعارضة المنظمة، وعلى رأسها السيدة مريم رجوي.

ففي رسائلها وتصريحاتها الأخيرة، شددت رجوي على أن المرحلة الحالية تتطلب تأسيس حكومة مؤقتة للجمهورية الديمقراطية في إيران، تكون مهمتها إدارة مرحلة انتقالية محددة زمنياً تقود إلى انتخابات حرة وتأسيس نظام ديمقراطي تعددي.

هذا الطرح يقوم على رؤية مختلفة جذرياً عن السيناريوهات الأخرى. فهو لا يسعى إلى إعادة إنتاج النظام بوجوه جديدة، ولا إلى إعادة إحياء النظام البهلوي، بل يركز على بناء جمهورية ديمقراطية قائمة على السيادة الشعبية وفصل الدين عن الدولة.

كما أن المشروع المطروح يحدد بوضوح طبيعة المرحلة الانتقالية، بحيث تكون الحكومة المؤقتة أداة لتنظيم انتقال السلطة وليس بديلاً دائماً لها.

المعركة الحقيقية: من يحدد مستقبل إيران؟

إن التطورات الجارية تشير إلى أن إيران تقف عند مفترق طرق تاريخي. فالنظام الذي حكم البلاد لأكثر من أربعة عقود يواجه اليوم أخطر أزمة في تاريخه، بينما تتصارع عدة سيناريوهات لتحديد شكل المرحلة المقبلة.

من جهة، هناك محاولات النظام لإعادة إنتاج نفسه عبر مناورات سياسية أو شخصيات انتقالية ضعيفة. ومن جهة أخرى، يظهر مشروع سياسي يسعى إلى إقامة نظام ديمقراطي جديد بالكامل.

الدرس الذي تشير إليه تجارب التحول السياسي في دول عديدة هو أن الفترات الانتقالية غالباً ما تحدد مستقبل الدول لعقود طويلة. لذلك فإن الخيار المطروح أمام الإيرانيين اليوم لا يتعلق فقط بإسقاط نظام قائم، بل بتحديد طبيعة الدولة التي ستولد بعده.

وفي هذا السياق، يبدو أن المعركة الحقيقية لم تعد فقط بين النظام والمعارضة، بل بين مشروعين مختلفين لمستقبل إيران: مشروع يسعى إلى إعادة تدوير الاستبداد، وآخر يهدف إلى تأسيس جمهورية ديمقراطية حقيقية.

د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي