الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

د. سامي خاطر يكتب: هندسة الوهم كيف يوظّف نظام الملالي شبكات التضليل لتسويق «شاه بلا مملكة» وإرباك مسار التغيير في إيران؟ مدخل: معركة السرديات في زمن الخوارزميات في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، لم تعد المواجهة في إيران تقتصر على الشارع والسجون، بل انتقلت إلى فضاء أكثر تعقيدًا: البنية التحتية للإعلام

هندسة الوهم

  هندسة الوهم

كيف يوظّف نظام الملالي شبكات التضليل لتسويق «شاه بلا مملكة» وإرباك مسار التغيير في إيران؟

مدخل: معركة السرديات في زمن الخوارزميات

في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، لم تعد المواجهة في إيران تقتصر على الشارع والسجون، بل انتقلت إلى فضاء أكثر تعقيدًا: البنية التحتية للإعلام الرقمي. تقرير تحليلي موسّع نشره موقع إي-إنترناشيونال ريليشنز تحت عنوان “بيع شاه بلا مملكة” يكشف، بأدلة جنائية سيبرانية، عن عملية منسقة لصناعة وهم دعم جماهيري لرضا بهلوي، نجل الشاه السابق. غير أن الأبعاد الاستراتيجية للتقرير تتجاوز شخص بهلوي، لتلامس جوهر سؤال السلطة والبديل في إيران، ودور نظام الملالي في توجيه هذا التضليل لخدمة بقائه.

تقاطعت خلاصات التقرير مع ما نشرته المواقع بالفارسية والعربية، التي تؤكد باستمرار أن النظام يسعى إلى إعادة هندسة مشهد المعارضة عبر ضخ بدائل وهمية تفتقر إلى الامتداد التنظيمي داخل البلاد.

هندسة الإقناع: ثلاثية التلاعب بالرأي العام

يوثق التقرير موجة إعلامية كثيفة بتاريخ 14 فبراير 2026، تصدّرت فيها أخبار رضا بهلوي منصات تجميع الأخبار، مدعومة بدعوته إلى تدخل أمريكي. لم يكن ذلك حدثًا عفويًا، بل نتيجة عملية ممنهجة بثلاث مراحل:

1- إثارة الحنين العاطفي عبر صور ومقاطع من عهد الشاه، روّجت لها قنوات مثل “منوتو”.

2- تطبيع فكرة التدخل العسكري بنشر خرائط القواعد الأمريكية وتحليلات أمنية.

3- تقديم بهلوي كمنقذ سياسي جاهز لقيادة المرحلة الانتقالية.

المفارقة التي يبرزها التقرير أن هذا الانتشار لم يكن نتيجة انحياز إعلامي تقليدي، بل بفعل التلاعب بسرعة التفاعل الأولي. آلاف الحسابات الوهمية ضخت تعليقات وإعجابات خلال الدقائق الأولى من نشر الأخبار، ما خدع خوارزميات المنصات ودفعها لتصنيف المحتوى كرائج، وبالتالي تعميمه على نطاق واسع.

التحليل الجنائي: بصمات من داخل الدولة العميقة

الشق الأخطر في التقرير يستند إلى تحليل أجرته شركة Treadstone 71، كشف عن أكثر من 356 ألف حساب آلي داعم لبهلوي، أُنشئت بفواصل زمنية مبرمجة بدقة (كل 60 ثانية). كما أظهر التحليل أن نحو 90 % من متابعي حسابه على إنستغرام حسابات وهمية، بلا أنماط تفاعل بشرية طبيعية.

الأكثر دلالة كان رصد 450 ألف حساب مزدوج الاستخدام يروّج في آن واحد لرسائل بهلوي ولمضامين النظام الإيراني. وتتبع 293 حسابًا أظهر أنها تعمل من داخل إيران باستخدام بنية تحتية مرتبطة بمؤسسات حكومية. هذا التقاطع لا يمكن فصله عن استراتيجية النظام في إعادة تشكيل مشهد المعارضة بما يضمن بقاءه لاعبًا مركزيًا في أي سيناريو مستقبلي.

استراتيجية الإلهاء: بديل بلا جذور

من منظور سياساتي، يستفيد النظام من تضخيم شخصية تفتقر إلى شبكة تنظيمية داخل إيران. فإبراز بهلوي يحوّل النقاش الدولي من ثنائية الدكتاتورية مقابل الديمقراطية إلى ثنائية زائفة بين نظام الشاه ونظام علي خامنئي. هذا التحويل يخدم بقاء النظام عبر:

تشتيت الجهود الدولية عن دعم قوى المعارضة المنظمة.

إضعاف الزخم حول مشروع الجمهورية الديمقراطية الذي تطرحه مريم رجوي.

إعادة إنتاج خوف تاريخي من الفوضى أو عودة الاستبداد البهلوي.

سرقة الرمزية: اختطاف صورة المقاومة

رصد التقرير واقعة لافتة حين استُخدمت صورة لنساء يرتدين أوشحة صفراء وشارات “إيران الحرة” – وهي البصمة البصرية المرتبطة بتجمعات المقاومة الإيرانية ومجاهدي خلق – للترويج لتجمع مؤيد لبهلوي في ميونيخ. هذه الواقعة تكشف آلية اختطاف الرمزية النضالية لتزيين سردية مصطنعة، في محاولة لإضفاء شرعية ميدانية غير موجودة.

إقصاء الأقليات: خدمة مباشرة لمعادلة القمع

يتقاطع الخطاب البهلوي المتشدد مع خطاب النظام في وصم مطالب الأقليات القومية – الأكراد والبلوش والعرب والتركمان – بـ “الانفصالية”. هذه المقاربة تُضعف وحدة المعارضة وتعيد إنتاج منطق المركزية القمعية الذي يتبناه النظام نفسه. بذلك، يصبح البديل المطروح استمرارًا لنمط الهيمنة، لا قطيعة معه.

النتائج الاستراتيجية: ضوضاء لإخفاء الدم

بينما تُغرق الفضاء الرقمي بضوضاء مصطنعة، تُهمّش حقائق دامية: أكثر من 3000 قتيل و50 ألف معتقل خلال انتفاضة يناير، واحتجاجات امتدت إلى 400 مدينة. الشعارات التي ترددت في الشوارع – “الموت للظالم، سواء كان الشاه أو خامنئي” – تعبّر عن رفض مزدوج للاستبداد، القديم والجديد.

الخلاصة التي يفرضها التحليل أن نظام الملالي لا يكتفي بالقمع المادي، بل يدير حربًا معرفية تهدف إلى إعادة توجيه أنظار الداخل والخارج نحو بدائل غير قابلة للتحقق. في بيئة إعلامية تحكمها الخوارزميات، تصبح المعركة على الوعي لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض.

إن مستقبل إيران لن يتحدد بعدد المتابعين الوهميين أو بحجم التفاعل المصطنع، بل بقدرة المجتمع الدولي على التمييز بين الضجيج المصمَّم والواقع الحي لشعب يناضل من أجل جمهورية ديمقراطية حقيقية.