إيران بين خيار الحرب وخيار الشعب
لماذا ترفض المقاومة الإيرانية الرهان على التدخل العسكري؟
أولاً: معضلة التغيير في ظل التصعيد الإقليمي
في ظل التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط، ومع تزايد الضربات المتبادلة بين نظام ولاية الفقيه وخصومه الإقليميين والدوليين، يتجدد النقاش حول المسار الواقعي لتغيير السلطة في إيران. فبينما يرى بعض المراقبين أن الضغط العسكري الخارجي قد يفتح الطريق نحو سقوط النظام، تتمسك قوى المعارضة المنظمة، وعلى رأسها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ومنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، بموقف مختلف يقوم على رفض الرهان على الحرب أو التدخل العسكري الأجنبي كوسيلة لإسقاط النظام.
هذا الموقف يعكس رؤية استراتيجية ترى أن مستقبل إيران لا يمكن أن يُحدد عبر حسابات القوى الدولية أو عبر صفقات جيوسياسية، بل عبر الإرادة السياسية للشعب الإيراني نفسه. وفي هذا السياق، تؤكد السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة، أن الطريق نحو الديمقراطية والاستقرار لا يمكن أن يُفرض من الخارج، بل يجب أن ينبثق من نضال داخلي منظم قادر على تفكيك بنية الاستبداد الديني.
ثانياً: “الحل الثالث” كإطار استراتيجي للتغيير
تبلور موقف المقاومة الإيرانية في ما بات يُعرف بـ “الحل الثالث”، وهو مفهوم سياسي طرحته مريم رجوي منذ سنوات، ويقوم على ثلاثية واضحة: لا للحرب الأجنبية، ولا لسياسة الاسترضاء، ونعم لتغيير النظام على يد الشعب والمقاومة المنظمة.
ويستند هذا الطرح إلى قراءة نقدية لتجارب المنطقة خلال العقدين الماضيين، حيث أظهرت تدخلات عسكرية متعددة أن إسقاط الأنظمة بالقوة الخارجية غالباً ما يقود إلى تفكك مؤسسات الدولة، وظهور فراغات أمنية، وتصاعد النزاعات الأهلية. من هذا المنطلق، ترى المقاومة الإيرانية أن أي تغيير يُفرض من الخارج قد يقود إلى إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة، سواء عبر سلطات عسكرية انتقالية أو عبر قوى سياسية تفتقر إلى الشرعية الشعبية.
بعبارة أخرى، لا يتعلق رفض التدخل العسكري فقط باعتبارات السيادة الوطنية، بل أيضاً بتجنب سيناريوهات الفوضى السياسية التي قد تعرقل عملية التحول الديمقراطي.
ثالثاً: الحرب كرافعة دعائية للنظام
من منظور استراتيجي، يمنح التصعيد العسكري الخارجي النظام الإيراني فرصة لتعزيز خطاب “الدفاع عن الوطن” وتعبئة المجتمع حول سردية الخطر الخارجي. ففي مثل هذه الظروف، يستطيع النظام توسيع دائرة القمع تحت شعار الأمن القومي، وتبرير الإجراءات الاستثنائية التي تستهدف المعارضين.
لذلك ترى المقاومة أن الرهان على الحرب قد يؤدي عملياً إلى إطالة عمر النظام بدلاً من تسريع سقوطه. فالمعادلة الحاسمة، وفق هذا المنظور، ليست في إضعاف النظام عسكرياً من الخارج، بل في تآكل شرعيته السياسية من الداخل عبر الاحتجاجات الشعبية وتصاعد نشاط شبكات المقاومة.
رابعاً: الحكومة المؤقتة كبديل سياسي منظم
في مواجهة هذه المعادلة، يطرح المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بديلاً سياسياً واضح المعالم يتمثل في الحكومة المؤقتة للمجلس، التي جرى الإعلان عنها كإطار لإدارة المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام.
ويستند هذا المشروع إلى خطة النقاط العشر التي أعلنتها مريم رجوي، والتي تتضمن إقامة جمهورية ديمقراطية تعددية، وفصل الدين عن الدولة، وضمان المساواة الكاملة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، واحترام حقوق القوميات والأقليات، وتحويل إيران إلى دولة غير نووية تتبنى سياسة سلام وتعاون إقليمي.
وفق هذا التصور، تتولى الحكومة المؤقتة إدارة مرحلة انتقالية محددة زمنياً، يتم خلالها نقل السيادة إلى الشعب وتنظيم انتخابات حرة تحت إشراف دولي، تمهيداً لانتخاب جمعية تأسيسية تتولى صياغة دستور جديد لإيران.
خامساً: شرعية المقاومة في الميدان
تستند المقاومة الإيرانية في تبرير رؤيتها إلى ما تسميه شرعية النضال على الأرض داخل إيران. وقد برز ذلك بوضوح في العملية التي نفذتها وحدات المقاومة ضد ما تصفه بـ “بيت العنكبوت” المرتبط بمقر علي خامنئي في طهران صباح الثالث والعشرين من فبراير 2026.
العملية، التي أعقبها اشتباك واسع مع قوات الحرس الثوري، أسفرت – وفق بيانات المقاومة – عن استشهاد أو اعتقال أكثر من مائة من أعضاء المنظمة. وقد جرى الإعلان عن أسماء اثنين وثمانين من الشهداء والمعتقلين وتقديم قوائمهم إلى جهات دولية، في خطوة تهدف إلى تأكيد أن المقاومة تتحمل كلفة المواجهة داخل البلاد.
بالنسبة للمجلس الوطني للمقاومة، تمثل هذه العمليات دليلاً على أن التغيير لا يجري عبر مؤتمرات خارجية أو تحالفات دولية، بل عبر تضحيات ميدانية تعكس إرادة سياسية داخلية لإسقاط النظام.
سادساً: نهاية سياسة الاسترضاء وبداية الفرصة التاريخية
في الوقت نفسه، تشير التطورات الإقليمية والعقوبات الأوروبية المتزايدة على مسؤولي النظام إلى أن سياسة الاسترضاء الغربية تجاه طهران باتت تواجه مأزقاً متزايداً. غير أن تحويل هذا المأزق إلى فرصة سياسية يتطلب وجود بديل إيراني منظم قادر على ملء الفراغ في حال انهيار النظام.
في هذا السياق، تحذر مريم رجوي من سيناريوهات إعادة إنتاج الاستبداد، سواء عبر مشاريع سلطنة وراثية تحاول استعادة النظام البهلوي السابق، أو عبر أنماط حكم عسكري قد تنشأ في ظروف الفوضى.
الخاتمة: التغيير بين الداخل والخارج
في المحصلة، يقوم تصور المقاومة الإيرانية على فرضية أساسية مفادها أن إسقاط نظام ولاية الفقيه لن يتحقق عبر الجيوش الأجنبية ولا عبر صفقات النفوذ الإقليمي، بل عبر انتفاضة شعبية منظمة مدعومة ببديل سياسي واضح.
وبينما يتصاعد التوتر العسكري في المنطقة، تحاول المعارضة المنظمة تقديم نموذج مختلف للتغيير: مسار سياسي يجمع بين النضال الداخلي وبناء مؤسسات بديلة. وفي حال نجح هذا المسار، فقد يشكل سابقة في الشرق الأوسط، حيث لا يأتي التحول الديمقراطي من الخارج، بل من إرادة شعب يصر على تقرير مصيره بنفسه.


