الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

إعدام السياسة: من قزل حصار إلى استعادة نموذج 1988 – هل يقترب النظام الإيراني من مجزرة جديدة؟ المقدمة: القمع كخيار استراتيجي لا تكتيكي تكشف الإعدامات الأخيرة التي طالت أربعة من أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية

إعدام السياسة: من قزل حصار إلى استعادة نموذج 1988 – هل يقترب النظام الإيراني من مجزرة جديدة؟

إعدام السياسة: من قزل حصار إلى استعادة نموذج 1988 – هل يقترب النظام الإيراني من مجزرة جديدة؟

المقدمة: القمع كخيار استراتيجي لا تكتيكي

تكشف الإعدامات الأخيرة التي طالت أربعة من أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية في سجن قزل حصار عن تحوّل نوعي في سلوك النظام الإيراني، حيث لم يعد القمع مجرد أداة ظرفية، بل أصبح خياراً استراتيجياً ممنهجاً لإدارة الأزمات الداخلية. ووفق ما أعلنته اللجنة البريطانية من أجل إيران حرة، فإن هذه الإعدامات تمثل قتلاً خارج نطاق القضاء، وتعكس مستوى متقدماً من الذعر السياسي داخل بنية النظام، في مواجهة تصاعد المعارضة المنظمة.

قزل حصار: مسرح إعادة إنتاج العنف المؤسسي

إعدام كل من محمد تقوي، وأكبر دانشوركار، وبابك عليبور، وبويا قبادي، خلال يومين متتاليين في أواخر مارس 2026، لا يمكن قراءته كحدث منفصل، بل كجزء من سلسلة عمليات تصفية مدروسة. هذا النمط يعكس توجهاً لإعادة تفعيل أدوات القمع القصوى داخل السجون، بما يحولها إلى مسارح مغلقة للإبادة السياسية. إن اختيار التوقيت والتتابع في تنفيذ الإعدامات يشير إلى رسالة ردع موجهة بدقة إلى قواعد المعارضة، مفادها أن النظام مستعد للذهاب إلى أقصى الحدود للحفاظ على بقائه.

استدعاء 1988: الذاكرة كإنذار استراتيجي

تحذير اللجنة البريطانية من احتمال تكرار سيناريو مجزرة السجناء السياسيين في إيران 1988 ليس مجرد استدعاء تاريخي، بل يمثل تقييماً استخباراتياً لنمط سلوك متكرر. ففي عام 1988، استخدم النظام آليات مشابهة — العزل، والتعتيم، وتسريع الإعدامات — لتنفيذ واحدة من أكبر عمليات الإبادة السياسية في تاريخ إيران الحديث. اليوم، تتقاطع المؤشرات الحالية مع تلك السابقة، ما يعزز فرضية أن النظام قد يكون بصدد إعادة إنتاج النموذج ذاته تحت غطاء ظروف مختلفة.

القضاء كذراع تنفيذية للقمع

تشير المعطيات إلى أن الجهاز القضائي الإيراني لم يعد يؤدي وظيفة قانونية مستقلة، بل تحوّل إلى أداة تنفيذية في يد السلطة السياسية. ووفق بيان اللجنة البريطانية من أجل إيران حرة، فإن المحاكم تُستخدم لإضفاء شرعية شكلية على إعدامات ذات دوافع سياسية صريحة. هذا التسييس الكامل للقضاء يعكس انتقال النظام من نموذج “الدولة الأمنية” إلى نموذج الدولة العقابية التي توظف القانون كوسيلة للقمع، لا كإطار للعدالة.

الحرب كرافعة للقمع الداخلي

تؤكد اللجنة أن هذه الإعدامات تأتي في سياق أوسع، حيث يستغل النظام ظروف الحرب لتكثيف سياسات الترهيب. في هذا السياق، تصبح الحرب رافعة عملياتية تسمح بتوسيع نطاق القمع تحت مبررات الأمن القومي. إن الجمع بين التهديد الخارجي والقمع الداخلي يشكل معادلة تهدف إلى شلّ أي حراك شعبي محتمل، عبر خلق بيئة من الخوف المركب، يصعب فيها الفصل بين المخاطر الأمنية والحقوقية.

الرسائل السياسية: من السجن إلى الشارع الدولي

تحمل الرسالة المصورة التي سجلها محمد تقوي قبل إعدامه دلالات تتجاوز البعد الإنساني، لتدخل في إطار الصراع على الشرعية السياسية. دعوته لدعم مريم رجوي وخطة النقاط العشر تعكس وجود بديل سياسي منظم يسعى لطرح رؤية انتقالية. هذا البعد يفسر جزئياً شدة استهداف النظام لأعضاء مجاهدي خلق، باعتبارهم يمثلون تهديداً استراتيجياً لبنية السلطة، وليس مجرد معارضة احتجاجية.

المجتمع الدولي: فجوة بين الإدراك والفعل

رغم تصاعد الإدانات، ترى اللجنة البريطانية أن الرد الدولي لا يزال دون مستوى التهديد. دعوتها إلى إنشاء محكمة دولية خاصة تمثل محاولة للانتقال من مرحلة التوصيف إلى مرحلة المساءلة. غير أن غياب إرادة سياسية حاسمة لدى القوى الكبرى يكرّس حالة من الإفلات من العقاب، تشجع النظام على المضي قدماً في سياساته دون خشية من عواقب ملموسة.

الخاتمة: نظام في طور الانكشاف

في المحصلة، تعكس هذه التطورات نظاماً يتحرك بدافع الخوف البنيوي من فقدان السيطرة، أكثر من كونه يستند إلى قوة مستقرة. إن تصاعد الإعدامات، واستدعاء نماذج تاريخية دموية، وتسييس القضاء، كلها مؤشرات على نظام يدخل مرحلة الانكشاف الاستراتيجي. وفي ظل غياب ردع دولي فعال، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يشهد العالم تكراراً لمأساة 1988، أم أن أدوات المساءلة ستتحرك قبل فوات الأوان؟

د. سامي خاطرآكاديمي وأستاذ جامعي