صراع الأجنحة وعقيدة البقاء.. الانقسامات تمزق قمة النظام الإيراني
مع دخول أواخر شهر أبريل 2026، تكشفت الانقسامات العميقة التي تضرب جذور قيادة النظام الإيراني بوضوح غير مسبوق. ففي مشهد يعكس حالة من التخبط الهيكلي، تحولت أروقة السلطة ومنابر الإعلام الحكومي إلى ساحات اشتباك علني بين المسؤولين والبرلمانيين والمالي حول استراتيجية الحرب ومسار المفاوضات مع الولايات المتحدة. لم يعد الأمر مجرد تباين في الآراء، بل هو تشظٍ سياسي يعكس أزمة بقاء حقيقية تعصف بالنظام.
برلمان التطرف والهروب إلى الأمام
داخل البرلمان، تحول النواب إلى أبواق للأجنحة المتشددة، مقدمين مطالب تعجيزية منفصلة تماماً عن الواقع الجيوسياسي. فقد اشترط البعض لإنهاء الحرب حصول إيران على عضوية دائمة وحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بينما طالب آخرون بحصر أي مفاوضات في تحصيل التعويضات وإقرار السيادة المطلقة على مضيق هرمز.
وفي تجمعات ليلية بطهران، رُفضت فكرة التفاوض من الأساس، مع التأكيد على أن لغة الصواريخ والمُسيّرات واليورانيوم المخصب هي الرادع الوحيد. ويعكس هذا التشدد رعب هذا الجناح من أن أي تنازل سياسي سيشكل تهديداً استراتيجياً مباشراً لبقاء النظام.
موقع أتالايار: وحدات المقاومة.. القوة المنظمة التي تهز أركان الولي الفقیة من الداخل
سلط الكاتب حميد عنايت الضوء على شبكة “وحدات المقاومة” التابعة لمجاهدي خلق، واصفاً إياها بالظاهرة الأبرز في مواجهة الاستبداد. وأكد التقرير أن هذه الوحدات بلغت مستوى تنظيمياً عالياً في كافة أنحاء البلاد، رغم محاولات نظام الولي الفقیة المستميتة للتعتيم على وجودها وتوسعها الذي بات يهدد بقاء النظام بشكل مباشر ومستمر.
إعلام دولي | أبريل 2026 – رؤية الصحافة الأوروبية لتنظيم وحدات المقاومة

فوضى دبلوماسية واتهامات بالخيانة
لم يتوقف الصدع عند قبة البرلمان، بل ضرب صميم الدبلوماسية وأروقة صناعة القرار. فخلال زيارة الوفد الإيراني إلى إسلام أباد، تضاربت التصريحات بشكل صارخ؛ فبينما تحدث عباس عراقجي عن نقل اعتبارات إنهاء الحرب، سارع مستشارون لنفي أي نية للتفاوض مع إدارة ترامب، في دلالة واضحة على غياب أي تنسيق في المستويات العليا.
وقد تفاقمت هذه الفوضى مع وصول الشروخ إلى الدوائر الدينية، حيث ارتفعت أصوات تدعو لاستئناف الحرب باعتبارها إرادة إلهية. وفي خضم هذا الهذيان، طفت إلى السطح اتهامات علنية متبادلة بالخيانة والعمالة للموساد طالت كبار المسؤولين مثل عراقجي ومحمد باقر قاليباف. وأمام هذا التشظي الذي يهدد بانهيار المعبد، لم يجد المعسكر المتشدد سبيلاً سوى التوسل بضرورة الولاء المطلق لـ الولي الفقیة، في محاولة يائسة لترقيع تصدعات النظام وفرض الطاعة.
النظام الكهنوتي بين مطرقة العزلة وسندان الانفجار
إن هذه الصراعات العلنية، والتحذيرات المتتالية من قادة الشرطة من مغبة الاستقطاب، تؤكد حقيقة واحدة: الأساس الأيديولوجي لـ النظام الكهنوتي يتآكل بسرعة. فالفصائل التي كانت تدعي التماسك، لم يعد يربطها اليوم سوى غريزة البقاء.
لكن حتى هذه الغريزة باتت موضع صراع طاحن. فهناك جناح داخل النظام الإيراني يرى أن الخضوع للضغوط الخارجية سيكسر معنويات قاعدته الأمنية ويتركه فريسة لانتفاضة شعبية حتمية تطيح به. في المقابل، يدرك الجناح الآخر أن العزلة ورفض الانخراط الدبلوماسي سيؤديان إلى اختناق اقتصادي كامل، يمهد الطريق لانفجار مجتمعي لا يبقي ولا يذر. وبين هاتين الرؤيتين، يقف النظام بأكمله على حافة الهاوية، عاجزاً عن الحسم، ومكبلاً بصراعاته الداخلية التي تحولت إلى أقوى سلاح يهدد وجوده.

