الغلاء الفاحش أو الانعدام التام.. إفلاس المنظومة الصحية يضع الإيرانيين أمام خيارات كارثية
يشهد سوق توفير الأدوية والمستلزمات الطبية في إيران تقلبات حادة وعميقة، حيث بات ظهور السماسرة في شوارع العاصمة طهران مؤشراً صارخاً على حجم الكارثة التي تضرب صميم الأمن الصحي للمواطنين. لقد تحول تأمين العملة الصعبة واستيراد المنتجات الأجنبية، خاصة للمرضى الذين يعانون من أمراض مستعصية، إلى عقدة مستعصية دمرت استقرار السوق، مما أدى إلى اختفاء أصناف حيوية بالكامل أو عرضها بأسعار خيالية في الأسواق السوداء غير الرسمية. وتكشف هذه الأزمة عن فساد مزدوج متجذر في هيكل النظام الإيراني، حيث يُترك المرضى وأجسادهم المنهكة فريسة إما لانعدام الدواء أو للغلاء الفاحش الذي يفوق قدرتهم على التحمل.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، أكد محمد جماليان، عضو لجنة الصحة في البرلمان، في 2 مايو 2026، على حقيقة مرة تتمثل في ضرورة الاختيار بين ارتفاع الأسعار أو غياب العلاج، مشيراً إلى أن الارتفاع الكبير في تكاليف المواد الخام والبلاستيك وغيرها من المتطلبات الصيدلانية لم يترك للمنتجين خياراً سوى رفع أسعار الأدوية لضمان استمرار الإنتاج. وحذر من أن محاولات كبح الأسعار بالقوة ستؤدي حتماً إلى تفاقم النقص والاعتماد الشديد على واردات بأسعار باهظة، خاصة بعد رفض منح تراخيص لرفع أسعار 800 صنف من أصل 1030 تمت دراستها مؤخراً، مما أجبر المنتجين على الخروج التدريجي من دورة الإنتاج وخلق نقص ثانوي مدمر، لتصبح وفرة الدواء بأسعار مرتفعة، في الوضع الحالي، أرحم بكثير من انعدامه المطلق بالنسبة لحياة المرضى.
إيران 2026: مثلث الانهيار الشامل يهدد بقاء نظام الولي الفقيه
أكدت تقارير دولية وميدانية أن إيران تعيش واقعاً مأساوياً ناتجاً عن تلاحم الدمار العسكري مع العزلة الرقمية والانهيار الاقتصادي. ومع وصول التضخم لمستويات قياسية وشلل الصادرات النفطية، بات النظام يواجه أزمة وجودية تضعه تحت وطأة ضغوط غير مسبوقة تثير تساؤلات جدية حول قدرته على الصمود أمام الغضب الشعبي المتصاعد.
تقرير الأزمة | مايو 2026 – تداخل الضغوط الخارجية والقرارات الداخلية الكارثية يدفع البلاد نحو الانهيار

ولم تقتصر الأزمة على تكاليف الإنتاج، بل امتدت لتشمل توفير الموارد الأجنبية وتقلبات أسعار الصرف التي شلت قدرة التوزيع وأغرقت السوق في فوضى عارمة. وإلى جانب أزمة العملة، ظهرت ممارسات الاحتكار والاستغلال في المراكز الإقليمية، مما أدى إلى توزيع أدوية منتهية الصلاحية، وفرض أعباء مالية ونفسية ساحقة على سكان المحافظات الذين يضطرون للسفر إلى العاصمة بحثاً عن دواء واحد، ليخاطروا بضياع الوقت الذهبي للعلاج. وقد تحول الوصول إلى المستلزمات الطبية إلى مأساة حقيقية بسبب فقدان الثقة في قدرة شركات التأمين على الاستجابة، وتراكم الديون غير المسددة للصيدليات.
وفي هذا السياق، كشف همايون نجف آبادي في 2 مايو 2026 عن الانعدام التام لمنتجات كانت تتوفر بسهولة في الماضي، واصفاً الوضع بأن العديد من الأدوية الضرورية التي كانت متوفرة بكثرة مثل التراب، أصبح من المستحيل العثور على عبوة واحدة منها اليوم، مع بروز نقص حاد في أدوية القلب والعيون والحقن. ويعود السبب الجذري لهذه القفزة المرعبة في الأسعار إلى قرارات الميزانية والإلغاء الكامل للدعم وسعر الصرف التفضيلي لاستيراد المواد الخام. فبعد أن كانت هذه المواد تُمول بسعر صرف مدعوم يبلغ حوالي 40 ألف تومان للدولار، بات يتعين الآن تأمينها بأسعار السوق الحرة، مما رفع تكاليف الإنتاج بشكل فلكي وحول العبء بأكمله إلى كاهل المستهلك المنهك.
وفي محاولة لتبرير هذا الفشل الذريع، زعم وزير الصحة محمد رضا ظفرقندي في الأول من مايو 2026 أن البلاد تمر بـ حالة حرب تتطلب تعاوناً شاملاً، متجاهلاً أن السياسات النقدية المتقلبة والإدارة العاجزة هي التي حولت أزمة الدواء من مجرد تحدٍ اقتصادي إلى تهديد مباشر ومميت لأرواح المرضى. لقد أدى الإلغاء المفاجئ لسعر صرف 4200 تومان واستبداله بأسعار منصة نيما إلى قفزة جنونية في الأسعار بلغت 380 بالمائة، واختفاء 200 صنف ضروري من الأسواق. وتأتي وعود الحكومة بـ الصحة المجانية كسراب خادع بينما يقف أصحاب الأمراض المستعصية في طوابير لا نهاية لها للحصول على الحد الأدنى من العلاج. وفي ظل فشل النظام الكهنوتي في إدارة أبسط مقومات الحياة، ووصول ديون الحكومة لصناعة الأدوية إلى 30 ألف مليار تومان، تقف المنظومة الصحية على شفا الانهيار الشامل.
تضخم الغذاء في إيران: 85% من دخل العامل يذهب لتأمين الطعام
كشف تقييم حديث عن وصول كلفة سلة الغذاء إلى مستويات كارثية في إيران، حيث ارتفعت أسعار المواد الأساسية بنسبة 68% خلال 4 أشهر فقط. هذا الانهيار المعيشي جعل العامل الإيراني عاجزاً عن تأمين احتياجات أسرته، حيث تلتهم لقمة العيش وحدها الغالبية العظمى من دخله المحدود وسط غياب الحلول الاقتصادية.
أزمة معيشية | أبريل 2026 – تقارير اقتصادية توثق سحق الطبقة العاملة تحت وطأة التضخم

وترسم الإحصائيات صورة مرعبة لمدى الكارثة؛ إذ تشير التقارير إلى أن 3 من كل 10 مراجعين للصيدليات يتراجعون عن الشراء بمجرد رؤية الأسعار، وهو ما يعني عملياً اتساع رقعة المرض وزيادة الموت الصامت بين مختلف طبقات المجتمع. فقد ارتفعت أسعار أدوية التشنج بنسبة 220 بالمائة، وقفزت أقلام الأنسولين المحلية بأكثر من ثلاثة أضعاف. ولم تسلم حتى المكملات الغذائية البسيطة مثل فيتامين دي-3 والزنك من هذا التضخم، ناهيك عن ارتفاع تكاليف أدوية التخدير والمطهرات التي ضاعفت نفقات الجراحة والاستشفاء.
وقد حذر حميد رضا إدراكي، المدير التنفيذي لمؤسسة الأمراض النادرة، من العواقب الكارثية لانقطاع الأدوية، مؤكداً أن الوصول المستمر للعلاج لـ 560 نوعاً من الأمراض النادرة المكتشفة في إيران هو أمر حيوي لا يمكن التهاون فيه. وفي خطوة تعكس ذروة اليأس، وجهت جمعية الصيادلة رسالة إلى المجلس الأعلى للأمن القومي محذرة من الانهيار التام لسلسلة التوريد ومخاطرها الأمنية، بينما تقف حوادث سرقة أدوية العلاج الكيميائي من المستشفيات كرمز صارخ للفوضى وانعدام الكفاءة في حماية الموارد الطبية المحدودة للبلاد، ليتحول الدواء في نهاية المطاف من وسيلة للشفاء إلى سلاح صامت يفتك بأرواح الإيرانيين.

