هندسة الإكراه؛ لماذا يفرض نظام الولي الفقیه خيار الكفاح على الشعب الإيراني؟
في فجر رمادي من أواخر مايو 2026، دارت مشانق القضاء التابع للملالي في إيران مجدداً لتخطف حياة شاب آخر هو عباس أكبري فيض آبادي. وأعلنت الأجهزة الإعلامية للنظام إعدامه بتهمة قيادة الاحتجاجات في مدينة نائين وارتكاب المحاربة. وبينما تحاول بروباغندا طهران تصوير هؤلاء الشهداء كعناصر فوضوية، فإن الواقع السوسيولوجي يكشف زيف هذه الادعاءات؛ فالشعب الإيراني لم يختر العنف يوماً، بل إن الديكتاتورية هي التي أغلقت كافة منافذ التعبير السلمي، واضعةً جيل الشباب أمام خيار واحد لا بديل عنه: المقاومة المنظمة لإسقاط الاستبداد.
الوهم الديكتاتوري والحقيقة السوسيولوجية
تروج الآلة الدعائية لـنظام الولي الفقیه لنظريات واهية تزعم أن المنتفضين في الشوارع ليسوا سوى مراهقين مدفوعين بالتهور أو التوجيه الخارجي. إنها كذبة متعمدة تهدف إلى تجريد الانتفاضة من عقلانيتها ومشروعيتها. إن القوانين الاجتماعية والتاريخية تؤكد حقيقة ثابتة: الشعوب المقموعة لا تختار أبداً شكل نضالها، بل إن النظام الحاكم هو من يفرض قواعد الاشتباك وشروط المواجهة.
الاقتصاد الرقمي في إيران يواجه انهياراً حاداً تحت وطأة قيود الإنترنت والضغوط المالية
دخل الاقتصاد الرقمي في إيران واحدة من أشد أزماته التاريخية إثر الانقطاعات الواسعة لشبكة الإنترنت وتشديد القيود عقب الاحتجاجات الوطنية وظروف الحرب. وأدت هذه الإجراءات الصارمة إلى شل حركة مئات الآلاف من المتاجر الإلكترونية، صناع المحتوى، والشركات الناشئة التي تعتمد كلياً على منصات التواصل الاجتماعي العالمية لتسيير أعمالها.
خسائر فادحة | مايو 2026 – سياسة حجب الفضاء الافتراضي لترهيب الشارع تدمر سبل عيش ملايين الإيرانيين وتعمق العزلة الاقتصادية للبلاد

تميل النفس البشرية بطبيعتها إلى الاستقرار والسلام والعيش الكريم؛ فلا أحد يترك مقاعد الدراسة، أو مخابزه، أو عيادته طوعاً ليواجه حبل المشنقة أو زنازين التعذيب. لو كان في إيران صناديق اقتراع حقيقية، أو صحافة حرة، أو نقابات مستقلة، لتدفق الغضب الشعبي عبر تلك القنوات السلمية. ولكن عندما يجابه النظام المسيرات السلمية بالرصاص الحي، ويعتبر بكاء الأمهات خيانة، فإنه يخط بنفسه دستور العمل الثوري المسلح. في هذا السياق، لا يصبح الكفاح مغامرة، بل ضرورة مأساوية فرضها الطغيان لحماية كرامة الأمة وعرضها.
تطابق تاريخي: نصف قرن من القمع بين الشاه والملالي
إن هذه المعادلة السوسيولوجية ليست وليدة اليوم، بل هي المأساة المتكررة في تاريخ إيران المعاصر. ولفهم واقع الشباب المنتفض اليوم في شوارع طهران ونائين، يجب العودة نصف قرن إلى الوراء، وتحديداً إلى الأسبوع نفسه من شهر مايو عام 1972. في ذلك الوقت، أعدمت المحكمة العسكرية لدكتاتورية الشاه ثلاثة من أبرز المثقفين والمؤسسين لحركة مجاهدي خلق: محمد حنيف نجاد، وسعيد محسن، وأصغر بديع زادكان.
كان هؤلاء القادة يمثلون صفوة النخبة العلمية والأكاديمية في إيران؛ حنيف نجاد كان مهندساً زراعياً عبقرياً، وسعيد محسن مهندساً مدنياً كرس حياته لبناء البنية التحتية وإغاثة منكوبي الزلازل، وبديع زادكان كان أستاذاً بارزاً للهندسة الكيميائية بجامعة طهران. ولم يبدأ هؤلاء نضالهم كفدائيين في الخفاء، بل كانوا مصلحين سلميين ينشطون في الأطر القانونية. لكن نظام الشاه اختار الإبادة التامة، وحظر الأحزاب، وحول البلاد إلى دولة بوليسية يديرها جهاز السافاك المرعب. وبإغلاقه لكافة الأبواب، لم يترك أمام النخبة سوى خيارين: الاستسلام أو بناء حركة مقاومة منظمة. فاختاروا الثاني، وولدت حركة مجاهدي خلق من رماد الإصلاحات المسحوقة، لتصبح اليوم المحور الأساسي لشبكات الانتفاضة داخل البلاد.
وول ستريت جورنال: أطول انقطاع للإنترنت في العالم يشل اقتصاد إيران ويدمر معيشة المواطنين
كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية أن نظام الولي الفقيه فرض أطول وأقسى قطع للإنترنت في تاريخ العالم الحديث لنحو ثلاثة أشهر متتالية. وأكدت الصحيفة أن هذا التعتيم الشامل أوصل سعة الشبكة للصفر، مما دمر البنية التحتية التجارية، وأضاف أكثر من مليون شخص لطابور العاطلين، ووجه ضربة قاضية للاقتصاد الرقمي.
تعتيم رقمي | مايو 2026 – الصحافة الدولية توثق الكلفة الاقتصادية الباهظة لسياسات الحجب الأمني التي ينتهجها الملالي لخنق الاحتجاجات

حرب الذئاب ونهاية حتمية للطغاة
إن المفارقة التاريخية الكبرى للاستبداد هي عجزه المطلق عن التعلم من دروس الماضي. ظن الشاه عام 1972 أنه بقطع رؤوس الحركة التحررية قد أمن عرشه، لكن تلك الإعدامات كانت الوقود الذي فجر ثورة 1979 التي اقتلعته. واليوم، يكرر نظام الملالي الخطأ القاتل نفسه؛ فيعدم الشباب أمثال العباس أكبري لبث الرعب، غافلاً عن أن الخوف قد تبخر من قلوب جيل يرى مستقبله يُباع في مزاد الفساد والنهب الاقتصادي.
في ظل اشتعال حرب الذئاب وتآكل النظام من الداخل، لم يعد أمام الشعب ما يخسره. إن القانون التاريخي صارم ولا يرحم: عندما تجعل الديكتاتورية الثورة السلمية مستحيلة، فإنها تجعل المقاومة المنظمة والمسلحة حتمية لا مفر منها. إن النيران التي أشعلها المهندسون الثلاثة عام 1972 لا تزال تمد شباب نائين وطهران بالشجاعة اليوم. قد يختار الطغاة كيف يمارسون قمعهم، لكنهم لن يختاروا أبداً طريقة سقوطهم الحتمية.

