الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

أروقة التشريع أم ساحة للغنائم؟ كيف تحولت لجان البرلمان الإيراني إلى ميدان لتوزيع النفوذ والثروة بينما تمثل المجالس النيابية في الأنظمة الديمقراطية تجسيداً حياً للإرادة الشعبية، حيث يضطلع المشرعون بمسؤولية تمثيل المواطنين

أروقة التشريع أم ساحة للغنائم؟ كيف تحولت لجان البرلمان الإيراني إلى ميدان لتوزيع النفوذ والثروة

أروقة التشريع أم ساحة للغنائم؟ كيف تحولت لجان البرلمان الإيراني إلى ميدان لتوزيع النفوذ والثروة

بينما تمثل المجالس النيابية في الأنظمة الديمقراطية تجسيداً حياً للإرادة الشعبية، حيث يضطلع المشرعون بمسؤولية تمثيل المواطنين، ومراقبة الأداء الحكومي، وصياغة القوانين التي تخدم الصالح العام وسط أجواء من التعددية والتنافس الفكري البنّاء، نجد أن المشهد ينعكس تماماً في ظل منظومة الاستبداد الديني في إيران؛ إذ أُفرغ البرلمان من جوهره التمثيلي ليتحول إلى مسرح للصراعات الفئوية، وتكالب الأجنحة المتنافسة على المحسوبية والنفوذ والوصول إلى مراكز القرار والتأثير. وفي الوقت الذي يواجه فيه ملايين الإيرانيين تداعيات التضخم الجامح، وأزمات السكن الخانقة، والبطالة المتفشية، وتآكل القدرة الشرائية، تبدو الأولويات البرلمانية منفصلة تماماً عن واقع الشارع، مما يقدم دليلاً قاطعاً على الخلل الهيكلي الذي يعاني منه النظام برُمته.

مؤسسة بلا تمثيل حقيقي

يكشف الواقع السياسي في إيران عن مفارقة حادة؛ ففي حين تضرب البلاد سلسلة من الأزمات الاقتصادية والخدمية المركبة—بدءاً من تآكل ميزانيات الأسر، ووصولاً إلى ركود طاقات الشباب وانقطاعات الطاقة المتكررة وتدهور الخدمات العامة—تغيب هذه الملفات الحياتية الملحة عن صدارة الأجندة البرلمانية. وبدلاً من استغلال الطاقات في إيجاد حلول وطنية، تُستنزف المؤسسة التشريعية في صراعات داخلية وتصفية حسابات بين الكتل المتناحرة، حيث تُوظف التعيينات في اللجان والآليات الرقابية كأدوات تكتيكية لتحقيق مكاسب فئوية ضيقة، وهو ما يعكس طبيعة النظام التي تقيس الكفاءة بميزان الولاء العقائدي والمؤسسي للمنظومة على حساب المسؤولية أمام الناخبين.

صراع المعسكرات: جبهة “بايداري” في مواجهة قاليباف

يظهر هذا التنافس الفصائلي بوضوح في الصراع المستمر بين الجناح المحسوب على رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف و”جبهة بايداري المتشددة. ورغم حسم منصب الرئاسة لصالح قاليباف، فإن المعركة لم تتوقف، بل انتقلت فوراً إلى كواليس صياغة القرار والتحكم في الآليات الإجرائية وتوزيع المناصب القيادية داخل اللجان. ورغم محاولات وسائل الإعلام الرسمية تصوير هذه الخلافات على أنها تباينات سياسية اعتيادية، فإن جوهرها ينحصر في السعي الحثيث للسيطرة على شبكات النفوذ التي تتحكم في توزيع الموازنات المالية، وتمرير العقود والمشاريع الحكومية الضخمة، وهي غنائم تسعى كل كتل لتوسيع رقعتها دون أن تحمل أي قيمة مضافة للمواطن الإيراني المنهوب.


جنازةُ خامنئي المليارية: استعراضُ مستفزّ يعري العزلة الداخلية والدولية للنظام

صُممت مراسم تشييع الولي الفقيه السابق علي خامنئي كاستعراض جرى تنظيمه بدقة لإظهار المشروعية السياسية والاستمرارية المؤسسية في لحظة هشاشة تاريخية للنظام. وبينما زعم المسؤولون مشاركة عشرات الملايين، كشف المشهد الاستعراضي عن أعباء مالية خيالية فُرضت على بلد يعاني الانهيار الاقتصادي، وسط ردود فعل باهتة ومحدودة من الشركاء الدوليين ومن قطاعات واسعة في الداخل، مما سلّط الضوء على نقاط ضعف النظام وعزلته.

جنازة خامنئي | عزلة النظام | يوليو 2026

الأهمية الاستراتيجية للجان البرلمانية

خلف الأبواب المغلقة، تدور أعنف المعارك للفوز بعضوية اللجان الحيوية والمؤثرة، كلجان الموازنة العامة، والاقتصاد، والطاقة، والأمن القومي. فهذه الهيئات تتجاوز صفتها الاستشارية لتلعب دوراً محورياً في توجيه السياسات المالية، ومراجعة العقود الكبرى، والضغط على المؤسسات التنفيذية. إن تأمين مقاعد داخل هذه اللجان يمنح الأجنحة المتصارعة رافعات سياسية قوية وقدرة أكبر على توجيه ثروات الدولة لصالح شبكاتها الخاصة. لذا، لم يكن غريباً أن يقر الإعلام التابع للنظام بوجود عمليات ضغط ومساومات ومناورات فئوية مكثفة تحيط بتشكيل هذه اللجان، مما يرفع الستار عن أولويات المنظومة الحاكمة التي تقيّم المناصب بقدرتها على توسيع النفوذ لا تحسين الحوكمة.

أدوات الرقابة كأصل تجاري لتصفية الحسابات

حتى الأدوات الدستورية المخصصة للرقابة والمساءلة، مثل استجواب الوزراء وعزلهم، جرى تحويرها لتصبح امتداداً لحرب العصابات السياسية؛ حيث تبدو إجراءات الإقالة والاستجواب غير مرتبطة بالأداء الإداري أو الكفاءة، بل بتبدل التحالفات وتصفية الحسابات بين كتل النظام وإضعاف الخصوم أو تحسين شروط التفاوض فيما بينها. وفي ظل حكم الولي الفقيه، تتحول الوظائف التشريعية والرقابية المفترضة إلى أسلحة في صراع السلطة الداخلي، وتصبح حقوق المواطنين والمساءلة العامة أمراً ثانوياً وهامشياً تماماً.

إقرار علني من إعلام النظام

إن الجانب الأكثر وضوحاً في هذا المأزق هو أن هذا التشخيص لم يعد مقتصراً على المراقبين الخارجيين أو المعارضة؛ بل إن وسائل الإعلام الخاضعة لرقابة الدولة والتابعة لأجنحة النظام باتت تتحدث علناً وبمصطلحات صريحة عن “صراع السلطة في البرلمان”، و”الانقسامات التي تعصف بالمعسكر الأصولي”، والتنافس المحموم للاستحواذ على “حصة أكبر من كعكة النفوذ”. هذا الاعتراف الضمني يتقاطع تماماً مع ما يدركه الشارع الإيراني: وهو أن هذه النزاعات لا علاقة لها بالدفاع عن مصالح العامة، بل هي انعكاس لنخبة متفتتة تتصارع على موارد تتقلص باستمرار داخل منظومة مأزومة.

وفي المحصلة، فإن محاولات النظم السلطوية لتصوير هذا التنافس الداخلي كدليل على الحيوية السياسية تظل محاولات واهية؛ إذ إن التنافس الحقيقي يُقاس بمدى الاستجابة لمتطلبات الشارع والشفافية، وليس بصراع النخب على المقاعد. لقد تحول برلمان طهران إلى حلبة تلتهمها حرب العصابات لفرض الهيمنة، بينما يقع الرفاه الاجتماعي والشقاء الاقتصادي خارج حسابات هذا الصراع. والخاسر الحقيقي في هذه المعادلة هو الشعب الإيراني الذي تظل معاناته مستبعدة ومؤجلة لصالح معركة النظام اللامتناهية للحفاظ على بقائه وإعادة توزيع مراكز القوة والثروة بين نخبه، وطالما ظلت بنية الحكم تكافئ الولاء على حساب التمثيل الشعبي، فسيستمر البرلمان في أداء دوره؛ ليس كدار للشعب، بل كساحة حرب لحفظ السلطة.