مناجم إيران.. ثروات تُستخرج بدماء العمال وهيمنة الحرس تعمّق المأساة
تواجه الطبقة العاملة في إيران، ولا سيما عمال مناجم الفحم، أوضاعاً إنسانية واقتصادية بالغة الصعوبة في ظل استمرار تراجع معايير السلامة، وغياب الحماية النقابية، وهيمنة المؤسسات المرتبطة بالحرس على قطاعات اقتصادية حيوية. وبينما تتواصل الوعود الرسمية بإصلاح الاقتصاد، تكشف التقارير عن واقع يتسم ببدائية وسائل الإنتاج، وارتفاع المخاطر المهنية، واستمرار استغلال العمال في واحد من أكثر القطاعات خطورة في البلاد.
وكشفت صحيفة إيلنا الحكومية، في تقرير استند إلى بيانات رسمية، عن حجم التراجع التقني الذي يعانيه قطاع مناجم الفحم في إيران، مؤكدة أنه لا يوجد سوى منجم فحم ميكانيكي واحد يعمل بصورة كاملة في البلاد، فيما تعتمد بقية المناجم على وسائل استخراج تقليدية تفتقر إلى التقنيات الحديثة ومعايير السلامة اللازمة.
: خيار الشارع الإيراني يتحول من الإصلاح إلى الإطاحة الجذرية بالنظام
تتسارع وتيرة التفكك داخل المؤسسة الحاكمة في طهران تحت وطأة أزمات مركبة ومتلاحقة وفشل اقتصادي كارثي. ومع عجز مؤسسات الدولة عن توفير أدنى مقومات الحياة البديهية للمواطنين، تحوّل خيار الجمهور الإيراني من المطالبة بالإصلاح أو تغيير السلوك السياسي إلى التنظيم الفاعل والمباشر للإطاحة الجذرية بالنظام الحاكم بالكامل.
الأزمة الاقتصادية | الإطاحة بالنظام | يونيو 2026

وأوضح التقرير أن منجم بروده في مدينة طبس هو الوحيد الذي يستخدم في أحد أنفاقه نظام الجبهة الطويلة (Longwall) المعتمد على الدعامات الهيدروليكية لحماية الأسقف، بينما توقف المنجم الميكانيكي الآخر الذي كان يعمل بنظام الغرفة والعمود بعد نضوب احتياطياته، لتعود معظم المناجم الإيرانية إلى استخدام وسائل استخراج بدائية تعتمد على المعاول والفؤوس.
وأشار التقرير إلى أن منطقة طبس تضم نحو 78% من احتياطيات الفحم في إيران، وتؤمن أكثر من 50% من احتياجات صناعات الصلب في مناطق رئيسية مثل أصفهان وزرند، ورغم هذه الأهمية الاقتصادية، فإن المناجم هناك ما تزال تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط السلامة المهنية.
وبيّنت البيانات وجود فجوة إنتاجية كبيرة بين المناجم التقليدية والميكانيكية؛ إذ لا يتجاوز إنتاج ورشة الاستخراج التقليدية 120 ألف طن سنوياً، في حين يستهدف المنجم الميكانيكي إنتاج 1.5 مليون طن سنوياً، وهو ما يعكس الفارق الكبير في الكفاءة والإنتاجية ومستوى الأمان.
كما لفت التقرير إلى أن العديد من المناجم ما تزال تعتمد على الأخشاب الطبيعية لتثبيت أسقف الأنفاق المهددة بالانهيار، الأمر الذي يزيد من احتمالات وقوع الحوادث القاتلة كلما امتدت أعمال الحفر إلى أعماق أكبر.
ويرى مراقبون أن هذا التراجع لا يمكن فصله عن هيمنة الحرس الإيراني والمؤسسات التابعة له على قطاعات اقتصادية واسعة، بما فيها قطاع التعدين، حيث تُوجَّه الإيرادات، بحسب منتقدين، نحو تمويل المشاريع العسكرية والأنشطة الإقليمية، بينما تتراجع الاستثمارات المخصصة لتحديث المناجم وتحسين ظروف العمل وحماية حياة العمال.
أزمة خبز متفجرة في بيئة من الأزمات الفائقة: قراءة في الأبعاد الاقتصادية والسياسية لإيران
ترتبط الأزمات المتلاحقة في إيران تحت وطأة النظام لتشكل أزمة فائقة وشاملة تعصف بالبلاد. وتعكس العناوين البارزة في الصحف الحكومية—من الهبوط الحار في المرتبة العلمية وغياب النساء عن سوق العمل، إلى تفاقم أزمة الخبز والتضخم الحاد الذي يدفع الطبقة المتوسطة نحو حافة الفقر المدقع—عمق المأزق المتعدد الأبعاد والانسداد الهيكلي العام الذي تواجهه الدولة.
أزمة الخبز | الانهيار الاقتصادي | يوليو 2026

وفي المقابل، يواجه العمال غياباً شبه كامل للنقابات المستقلة القادرة على الدفاع عن حقوقهم، إذ يحظر النظام تأسيس اتحادات عمالية مستقلة، فيما تقتصر المؤسسات القائمة على هيئات خاضعة للسلطات الرسمية، وهو ما يحرم العمال من أدوات التفاوض والمطالبة بتحسين ظروف العمل والأجور والسلامة المهنية.
وتبرز، وفق التقرير، مفارقة واضحة في أولويات الإنفاق؛ ففي الوقت الذي أنفقت فيه السلطات مليارات الدولارات على تطوير البرامج النووية، وبناء المدن الصاروخية والمنشآت العسكرية المحصنة باستخدام أحدث تقنيات حفر الأنفاق، لا تزال مناجم الفحم تعمل بوسائل بدائية تعود إلى عقود طويلة، مع استمرار الحديث عن نقص الموارد اللازمة لتحديث معدات استخراج الفحم وتأمين بيئة عمل آمنة.
ويخلص التقرير إلى أن أزمة قطاع المناجم في إيران تتجاوز حدود التكنولوجيا أو نقص التمويل، لتشكل انعكاساً لطبيعة إدارة الموارد والسياسات الاقتصادية المعتمدة. ويرى أن تحسين أوضاع العمال يتطلب إصلاحات هيكلية تضمن حرية العمل النقابي، وتطبيق معايير السلامة الدولية، وتوجيه الثروات الوطنية نحو الاستثمار في الإنسان والتنمية، بما يوفر بيئة عمل أكثر أمناً وعدالة للعاملين في هذا القطاع الحيوي.

