شلل القطاع الصحي في إيران يفاقم أزمة الرعاية الطبية وسط عجز حاد في الكوادر التمريضية
تواجه المنظومة الصحية في إيران أزمة متفاقمة نتيجة النقص الكبير في أعداد الممرضين والممرضات، حيث تشير تصريحات وتقارير رسمية إلى وجود عجز يتجاوز مئة ألف ممرض، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على مستوى الخدمات الطبية والرعاية الصحية المقدمة للمواطنين. ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه القطاع الصحي تحديات متزايدة ترتبط بنقص الموارد البشرية وتزايد الضغوط الاقتصادية والمعيشية.
وتفيد المعطيات الرسمية بأن عشرات الآلاف من طلبات التوظيف في القطاع الصحي ما تزال معلقة، رغم الحاجة الملحة إلى تعزيز الكوادر الطبية داخل المستشفيات والمراكز العلاجية. ويرى مختصون أن التوظيف المحدود الذي يتم بين الحين والآخر لا يكفي لتعويض أعداد العاملين الذين يغادرون الخدمة بسبب التقاعد أو الاستقالة أو الهجرة، ما يترك فجوة متنامية داخل المؤسسات الصحية.
هجرة الأساتذة الجامعيين في إيران: أزمة تهدد مستقبل التعليم العالي والقطاع الصحي
تواجه الجامعات الإيرانية، وخصوصًا الكليات الطبية، موجة متزايدة من هجرة الأساتذة الجامعيين، ما يشكّل تهديدًا جديًا على مستقبل التعليم العالي والرعاية الصحية في البلاد. هذا النزيف الأكاديمي لم يعد أمرًا عرضيًا، بل أصبح ظاهرة مقلقة تُهدد بنية النخبة العلمية والمهنية في إيران. وفي مقابلة له بتاريخ 23 مارس 2025، حذّر محمد جليلي، رئيس مركز توظيف الأساتذة في وزارة الصحة والتعليم الطبي، من أنّ هذه الظاهرة تمتد إلى كبرى الجامعات في البلاد، موضحاً أن العديد من الأساتذة إمّا يتركون المهنة نهائيًا أو يهاجرون للعمل في الخارج، وهو ما يمثل خسارة كبيرة للاستثمار الوطني في الكفاءات العلمية.

نقص الكوادر يضغط على المستشفيات
وتنعكس أزمة الكوادر التمريضية على أداء المستشفيات وقدرتها على تقديم الخدمات العلاجية بصورة فعالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد الممرضين المتاحين لا يواكب الاحتياجات الفعلية للمؤسسات الصحية، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الأعباء على العاملين الحاليين وإلزام الكثير منهم بساعات عمل إضافية ونوبات طويلة.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الوضع قد يؤثر على جودة الرعاية الطبية وسلامة المرضى، خاصة في أقسام الطوارئ والعناية المركزة وغرف العمليات التي تتطلب وجود كوادر مؤهلة بأعداد كافية لضمان تقديم الخدمات الصحية وفق المعايير المطلوبة.
الأوضاع الاقتصادية تدفع الكفاءات إلى المغادرة
ويرتبط جانب مهم من الأزمة بالأوضاع المعيشية التي يعاني منها العاملون في القطاع الصحي، حيث أسهمت معدلات التضخم المرتفعة وتراجع القوة الشرائية وتأخر صرف بعض المستحقات في زيادة الضغوط على الممرضين والممرضات.
كما تشير تقارير إلى استمرار نزيف الكوادر الطبية من خلال الاستقالات أو الهجرة إلى الخارج بحثاً عن فرص عمل وظروف معيشية أفضل. ويرى مراقبون أن هذه الظاهرة تسهم في تفاقم النقص داخل المؤسسات الصحية وتحد من قدرة القطاع على تعويض الكفاءات المغادرة.
انهيارُ منظومة الضمان واتساعُ القروض الطبية: الرعايةُ الصحيةُ تتحولُ إلى رفاهيةٍ غائبة
كشفت التطورات الاقتصادية الأخيرة عن بروز ظاهرة خطيرة تعكس عمق التردي المعيشي في إيران؛ حيث تحولت الرعاية الصحية إلى نظام الدفع بالتقسيط تحت شعارات تجارية مثل «تعالج اليوم وادفع غداً». ورغم محاولات أجهزة نظام الولي الفقيه ترويج هذه الظاهرة بوصفها ابتكاراً مالياً، إلا أنها تشكل دليلاً ساطعاً على انهيار القدرة الشرائية لملايين العوائل وعجزها عن تغطية تكاليف العلاج والدواء الأساسية.

انتقادات لأولويات الإنفاق الحكومي
وتربط جهات معارضة أزمة القطاع الصحي بالسياسات الاقتصادية وأولويات الإنفاق العام، معتبرة أن الموارد المخصصة لبعض الملفات الأمنية والعسكرية تأتي على حساب قطاعات خدمية أساسية مثل الصحة والتعليم. وفي هذا السياق، تتهم هذه الجهات السلطات بتفضيل دعم المشاريع والأنشطة الخارجية على حساب تطوير المستشفيات وتحسين أوضاع العاملين في المجال الصحي.
كما يشير منتقدون إلى أن استمرار سياسات الهيمنة والتسلط الاقتصادية والإدارية أسهم في تعميق مشكلات القطاع الصحي وإضعاف قدرته على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للمواطنين.
وتسلط أزمة العجز التمريضي الضوء على التحديات الكبيرة التي تواجه النظام الصحي الإيراني، في وقت تتزايد فيه المطالب بتوفير الموارد اللازمة للمستشفيات وتحسين أوضاع الكوادر الطبية وضمان استمرارية الخدمات العلاجية. ويرى متابعون أن معالجة هذه الأزمة تتطلب إصلاحات واسعة وخططاً طويلة الأمد للحفاظ على الكفاءات الصحية وتعزيز قدرة المؤسسات الطبية على تلبية احتياجات السكان.

