تجارة كسر الحجب في إيران.. مليارات التومانات بين الرقابة الرقمية وشبكات النفوذ
تكشف اعترافات وتصريحات صادرة عن مسؤولين إيرانيين عن اتساع حجم الاقتصاد المرتبط ببرامج كسر الحجب، وتحوله إلى سوق مالية ضخمة تدر مليارات التومانات سنوياً خارج الأطر الاقتصادية الرسمية. وبينما تواصل السلطات فرض قيود واسعة على الوصول إلى الإنترنت والمنصات العالمية، يجد ملايين المستخدمين أنفسهم مضطرين للاعتماد على أدوات تجاوز الحجب للوصول إلى الخدمات الرقمية الأساسية، ما خلق سوقاً موازية ضخمة تستفيد منها جهات وشبكات غير معلنة.
وتشير التقديرات المتداولة إلى أن سوق برامج كسر الحجب يحقق عوائد مالية هائلة، في ظل اعتماد نسبة كبيرة من مستخدمي الإنترنت في إيران على هذه الخدمات. ويعكس هذا الواقع مفارقة لافتة تتمثل في أن المواطنين يتحملون تكاليف إضافية للوصول إلى خدمات رقمية متاحة بصورة طبيعية في معظم دول العالم، بينما تبقى الجهات المستفيدة من هذه الأموال بعيدة عن الرقابة والشفافية.
من دعم مُعلن إلى عبء إضافي.. كيف تحولت البطاقة التموينية إلى أزمة تُرهق التجار والمواطنين؟
كان يُفترض بمشروع البطاقة التموينية الإلكترونية أن يخفف جزءاً من أعباء التضخم الشهري والمعيشي القاسي عن كاهل العائلات الإيرانية، لكنه سرعان ما تحول إلى مأزق معقد ألقى بظلاله الثقيلة على المتاجر والمستهلكين على حد سواء. فالتأخير المتمادي في تسديد مستحقات المتاجر المشاركة، وتوقف العديد منها عن قبول البطاقة، إلى جانب تبادل الاتهامات بين المؤسسات الحكومية، وضع هذا البرنامج في دائرة الفشل، ليتحول الدعم المُعلن إلى عبء إضافي أضر بالقطاع التجاري وتسبب في إرباك المواطنين المشمولين.

سوق موازية نشأت بفعل القيود الرقمية
أدت سياسات الحجب المتواصلة إلى نشوء شبكة اقتصادية كاملة تعتمد على بيع برامج وخدمات تجاوز القيود المفروضة على الإنترنت. ومع اتساع نطاق المنصات المحظورة، ازدادت الحاجة إلى هذه الخدمات بين مختلف فئات المجتمع، من الطلاب والباحثين إلى أصحاب الأعمال والمستخدمين العاديين.
ويرى منتقدون أن استمرار هذه القيود أسهم في خلق بيئة مواتية لنشاط ما يصفونه بشبكات الاحتكار والفساد، التي تستفيد مالياً من بقاء حالة الحجب، في وقت تعلن فيه الجهات الرسمية مراراً سعيها لتنظيم الفضاء الإلكتروني وحماية المستخدمين.
ازدواجية في التعامل مع المنصات المحجوبة
يثير استمرار نشاط العديد من المسؤولين والمؤسسات الرسمية على منصات عالمية محجوبة داخل إيران تساؤلات بشأن جدوى القيود المفروضة على المستخدمين العاديين. فبينما يواجه المواطنون صعوبات متواصلة للوصول إلى هذه المنصات، تواصل شخصيات رسمية وهيئات حكومية استخدام بعضها في نشاطها الإعلامي والتواصلي.
ويعتبر معارضون أن هذا التناقض يضعف المبررات التي تُطرح لتسويغ سياسات الحجب، ويعزز الاعتقاد بوجود مصالح اقتصادية وسياسية مرتبطة بإبقاء القيود الرقمية قائمة لفترات طويلة.
الإنترنت ساحة مواجهة خلال الاحتجاجات
ارتبطت سياسات تقييد الإنترنت في إيران على مدى السنوات الماضية بالأحداث السياسية والأمنية، خاصة خلال فترات الاحتجاجات والاضطرابات الداخلية. وتشير تقارير متعددة إلى أن السلطات تلجأ في بعض المراحل إلى تقليص سرعة الشبكات أو فرض قيود إضافية على الاتصالات بهدف الحد من تداول المعلومات وتقليص قدرة المحتجين على التنسيق الميداني.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن القيود الرقمية لم تعد مجرد مسألة تقنية أو تنظيمية، بل أصبحت جزءاً من آليات التعامل مع التحركات الاحتجاجية والتحديات السياسية التي تواجهها السلطات.
خسائر اقتصادية وتحديات تقنية متزايدة
ولا تقتصر تداعيات الحجب على المستخدمين الأفراد، بل تمتد إلى قطاعات اقتصادية كاملة تعتمد على الاتصال بالعالم الخارجي. فقد تأثرت أعمال التجارة الإلكترونية والشركات الناشئة والعاملين المستقلين والباحثين والطلاب بالقيود المفروضة على الوصول إلى المنصات والخدمات الدولية.
كما أن الانتشار الواسع لبرامج كسر الحجب يثير مخاوف متزايدة تتعلق بالأمن السيبراني وحماية البيانات الشخصية، خاصة مع اعتماد عدد كبير من المستخدمين على تطبيقات مجهولة المصدر قد تعرض معلوماتهم للاختراق أو سوء الاستخدام.
مليون عامل يغادرون سوق العمل.. البطالة الحقيقية في إيران خمسة أضعاف الرقم الرسمي
كشفت وكالة «إيلنا» التابعة لمؤسسة «بيت العمال» الحكومية عن خروج نحو مليون عامل من سوق العمل الرسمي في إيران، فيما أكد عضو بارز في غرفة التجارة أن معدل البطالة الحقيقي يبلغ نحو خمسة أضعاف الرقم الرسمي المعلن. وأشارت الوكالة إلى أن الإحصاءات الرسمية لسوق العمل لا تعكس حقيقة ما أصاب الاقتصاد الإيراني، معتبرة أن هناك حاجة إلى مؤشرات جديدة تكشف الحجم الفعلي للأزمة، مضيفة أن خروج نحو مليون شخص من المشمولين بتأمين الضمان الاجتماعي خلال عام واحد يشكل مؤشراً مهماً على تدهور سوق العمل، وأن حتى الوظائف الجديدة لا تتمتع بالجودة والاستقرار اللذين كانت تتمتع بهما الوظائف السابقة.

الرقابة الرقمية بين السياسة والاقتصاد
توضح التطورات الأخيرة أن قضية الإنترنت في إيران تجاوزت حدود الجدل التقني لتصبح ملفاً يرتبط بعوامل سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة. ويرى منتقدون أن استمرار سياسات القمع السياسي عبر الفضاء الرقمي، بالتوازي مع الأرباح الضخمة المتأتية من سوق كسر الحجب، خلق منظومة تستفيد من استمرار القيود أكثر مما تستفيد من الانفتاح الرقمي.
وفي ظل تزايد الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم الشهري المتصاعد، باتت تكاليف الوصول إلى الإنترنت تمثل عبئاً إضافياً على المواطنين، ما يجعل ملف الحجب والرقابة الرقمية واحداً من القضايا المتنامية في النقاش العام حول الحريات والحقوق الرقمية ومستقبل الاقتصاد الرقمي في إيران.

