منظمة العفو الدولية تكشف خفايا “حرب الصمت” في إيران: 5000 قتيل وعسكرة شاملة للمدن
لم يعد الهدوء الذي يلف شوارع المدن الإيرانية ليلاً دليلاً على الاستقرار، بل هو “صمت المقابر” الذي فرضته الآلة العسكرية للنظام. في تقريرها الأحدث والأكثر قتامة، كشفت منظمةالعفوالدولية كيف تحولت إيران، منذ مجازر 8 و9 يناير، إلى سجن كبير معزول عن العالم، حيث يُستخدم قطع الإنترنت والعسكرة الشاملة لدفن الحقيقة مع جثامين الضحايا.
هندسة التعتيم: عندما يصبح الإنترنت عدواً
تصف المنظمة الوضع الحالي بأنه “حملة منسقة لإخفاء الجريمة”. فبينما يعيش أكثر من 90 مليون إيراني في ظلام رقمي دامس، تعمل أجهزة النظام على هندسة رواية بديلة. ووفقاً لـ “أمنستي”، فإن الهدف من هذا التعتيم ليس مجرد منع التواصل، بل هو غطاء لعمليات “التنظيف” المروعة لآثار الدماء، ومنع توثيق مقتل ما لا يقل عن 5000 متظاهر، وفقاً لتقديرات المقررة الأممية الخاصة، وهو رقم يتجاوز حتى اعترافات النظام الرسمية (التي أقرت بـ 3117 قتيلاً).
المستشفيات: من دور للشفاء إلى “مصائد بشرية”
لعل أخطر ما وثقه التقرير هو تحويل المستشفيات إلى فخاخ للموت. تنقل المنظمة شهادات مرعبة عن قيام عناصر “قوات الحرس” (سباه) وقوات الأمن باقتحام الأقسام الطبية في أصفهان وتشهارمحال وبختياري، ليس لحماية المرضى، بل لانتزاع المتظاهرين الجرحى من أسرتهم واعتقالهم، حتى أولئك الذين هم في حالات حرجة.
الأطباء باتوا تحت تهديد الملاحقة القضائية إذا ما قاموا بواجبهم المهني دون إبلاغ الأمن، مما حكم على مئات الجرحى بالموت البطيء في الزنازين أو المستودعات العسكرية التي حولت لمعتقلات سرية.
“بهار”.. الطفلة التي أجبر والدها على الكذب
يسلط التقرير الضوء على الحرب النفسية القذرة التي تشن ضد ذوي الضحايا. لم يكتفِ النظام بقتل المتظاهرين، بل يمارس الابتزاز المالي والسياسي مقابل تسليم الجثث.
إحدى القصص الأكثر إيلاماً التي وثقتها المنظمة هي قصة الطفلة “بهار” (عامان)، التي قتلت برصاصة في الرأس في نيشابور. لم يُسمح لعائلتها بدفنها إلا بعد أن ظهر والدها في فيديو دعائي، يلقنه صوت خلف الكاميرا ما يجب قوله، لتبرئة قوات الأمن واتهام “إرهابيين” وهميين بقتل طفلته. هذا النمط من “الاعترافات المفبركة” بات نهجاً يومياً لتزوير التاريخ.
عسكرة الأحياء السكنية
تحليل مقاطع الفيديو القليلة التي تم تهريبها يظهر تحولاً جذرياً في استراتيجية النظام: الانتقال من “قوات مكافحة الشغب” إلى “الجيش المحتل”. وثقت المنظمة انتشار شاحنات “بيك آب” مثبت عليها رشاشات ثقيلة (دوشكا) تجوب الأحياء السكنية، ومدرعات وعربات مياه معدلة في مدن مثل بروجرد ومشهد، تفرض حظر تجول ليلي صارم وتأمر السكان عبر مكبرات الصوت بالبقاء في منازلهم، في مشهد يعيد للأذهان أجواء الحروب الأهلية.
زنازين الرعب: عنف جنسي وتعذيب
خلف الجدران المغلقة، يواجه آلاف المعتقلين – بينهم أطفال – مصيراً مجهولاً. وتشير تقارير “أمنستي” إلى عودة أنماط التعذيب الوحشية: الجلد، الصعق بالكهرباء، الإيهام بالإعدام، والاغتصاب والعنف الجنسي، بهدف كسر إرادة المعتقلين وانتزاع اعترافات قسرية تبثها شاشات التلفزيون الرسمي لتبرير أحكام إعدام قادمة بتهمة “المحاربة”.
تضع منظمة العفو الدولية العالم أمام مسؤولياته: ما يحدث في إيران ليس شأناً داخلياً، بل هو “جريمة ضد الإنسانية” مكتملة الأركان، تجري فصولها الآن خلف جدار سميك من الصمت الرقمي والقمع العسكري.

