الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

نهاية الإفلات من العقاب : الأمم المتحدة تضع نظام الملالي تحت المجهر الدولي تحوّل نوعي في مقاربة الأمم المتحدة للملف الإيراني عبدالرزاق الزرزور محامي وناشط حقوقي سوري شكّلت الجلسة الطارئة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، المنعقدة يوم 23 يناير 2026، محطة مفصلية في التعاطي الدولي مع القمع المنهجي الذي تمارسه السلطات الإيرانية ضد الاحتجاجات الشعبية.

نهاية الإفلات من العقاب : الأمم المتحدة تضع نظام الملالي تحت المجهر الدولي تحوّل نوعي في مقاربة الأمم المتحدة للملف الإيراني

نهاية الإفلات من العقاب : الأمم المتحدة تضع نظام الملالي تحت المجهر الدولي تحوّل نوعي في مقاربة الأمم المتحدة للملف الإيراني

عبدالرزاق الزرزور 

محامي وناشط حقوقي سوري

شكّلت الجلسة الطارئة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، المنعقدة يوم 23 يناير 2026، محطة مفصلية في التعاطي الدولي مع القمع المنهجي الذي تمارسه السلطات الإيرانية ضد الاحتجاجات الشعبية. فالقرار الذي أدان بشكل صريح القمع العنيف، ومدّد ولاية بعثة التحقيق الدولية المستقلة لعامين، وولاية المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان في إيران لعام ونصف، يعكس انتقالًا واضحًا من لغة القلق الدبلوماسي إلى منطق التوثيق والمساءلة . هذا التحوّل لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً إجرائيًا فحسب، بل باعتباره مؤشرًا سياسيًا على تآكل قدرة نظام الملالي على تحييد المؤسسات الدولية أو احتواء الضغوط الحقوقية المتراكمة.

دلالات التصويت: عزلة متنامية للنظام

اعتماد القرار بأغلبية 25 دولة مؤيدة مقابل 7 دول معارضة و14 دولة امتنعت عن التصويت، يكشف عن اتجاه دولي راجح يرى في ما يجري داخل إيران أزمة حقوق إنسان جسيمة، لا شأناً داخليًا. ورغم أن بعض الدول ما زالت تفضّل التردد أو الحياد التكتيكي، فإن ميزان التصويت يعكس تآكل شبكة الحماية السياسية التي لطالما استفاد منها النظام الإيراني داخل أروقة الأمم المتحدة. الأهم أن الامتناع عن التصويت، في السياق الحالي، لم يعد موقفًا محايدًا، بل بات يُقرأ كعجز عن الدفاع العلني عن ممارسات باتت موثّقة ومحرجة أخلاقيًا.

أرقام صادمة وشهادات دامغة

في افتتاح الجلسة، قدّم مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان توصيفًا بالغ الخطورة حين أعلن آلاف القتلى، بينهم أطفال، سقطوا خلال قمع الاحتجاجات. هذه الصياغة، الصادرة عن أعلى سلطة حقوقية أممية، تنقل الملف الإيراني من خانة الانتهاكات المتفرقة إلى نطاق الجرائم الواسعة النطاق. هذا التوصيف لم يكن معزولًا، بل تزامن مع شهادة مفصلية قدّمتها سارا حسين، رئيسة بعثة تقصّي الحقائق بشأن إيران، التي وصفت أعداد القتلى بأنها  صادمة، مؤكدة استخدام قوات الأمن أسلحة هجومية ورشاشات ثقيلة ضد المتظاهرين، في مؤشر على عسكرة متعمّدة للقمع.

من القمع إلى سياسة الترهيب القضائي

ما يضاعف خطورة المشهد، وفق بعثة تقصّي الحقائق، ليس فقط الاستخدام غير المتناسب للقوة، بل المنظومة المتكاملة للانتهاكات التي شملت التعذيب، والعنف الجنسي، والاعتقال التعسفي، وانتزاع  الاعترافات القسرية. هذه الممارسات لا تُنفّذ بمعزل عن الإطار الرسمي، بل تحظى بتغطية مباشرة من مؤسسات النظام . وتبرز هنا تصريحات السلطة القضائية في إيران، التي طالبت بمعاقبة المعتقلين بأسرع وقت ممكن ودون أي تساهل مع التلويح بتهمة المحاربة التي تصل عقوبتها إلى الإعدام. هذا الخطاب لا يعكس مجرد تشدد أمني، بل يؤشر إلى استخدام القضاء كأداة قمع سياسي.

الدعوة إلى التحقيق : اختبار لصدقية المجتمع الدولي

دعوة فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، إلى إجراء تحقيقات مستقلة وفق المعايير الدولية، والتعاون مع لجنة تقصّي الحقائق، والسماح بدخول المقررين إلى إيران، تضع النظام أمام اختبار مباشر: إما الانخراط في مسار المساءلة، أو تكريس صورة الدولة الرافضة لأي رقابة دولية. يعكس تحذير تورك من خطر تنفيذ عمليات إعدام واسعة، مقرونًا بإدانته لمحاولات تصنيف المحتجين كـ& إرهابيين اعتماد النظام على آلية معروفة لنزع الصفة المدنية عن الاحتجاجات، بما يتيح تبرير القمع  المميت تحت ذريعة الحفاظ على الأمن العام.

نقطة تحوّل أم فرصة ضائعة؟

قول توركالقتل في شوارع إيران قد يكون توقف، لكن القمع ما زال مستمرًا يلخّص جوهر الأزمة : انتقال النظام من القتل العلني إلى القمع المؤسسي البطيء. في المقابل، تؤكد الأمم المتحدة أن الحوار والاستجابة لمطالب الشعب الإيراني- خصوصًا النساء والشباب والأقليات – هو السبيل الوحيد للخروج من المأزق . السؤال المركزي اليوم ليس ما إذا كانت الانتهاكات موثّقة، بل ما إذا كان المجتمع الدولي مستعدًا للانتقال من الإدانة إلى المساءلة الفعلية. فقرار مجلس حقوق الإنسان قد يشكّل نقطة تحوّل تاريخية، أو يتحوّل إلى فرصة أخرى تُهدر، إذا لم يُستكمل بإجراءات سياسية وقانونية تضع نظام الملالي أمام كلفة أفعاله.

الخاتمة : حين يصبح الزمن الدولي في صفّ الشعب الإيراني

لم يعد قرار مجلس حقوق الإنسان مجرّد إدانة دورية تُضاف إلى أرشيف الأمم المتحدة، بل بات علامة فاصلة على انتقال الملف الإيراني إلى مرحلة المساءلة الممنهجة. فتمديد ولاية بعثة تقصّي الحقائق، وتوسيع نطاق الرقابة الدولية، يعنيان أن آلة القمع لم تعد تعمل في الظل، وأن الرواية الرسمية للنظام فقدت قدرتها على احتكار المشهد . ومع تزايد التوثيق، وتراكم الأدلة، تتقلّص هوامش المناورة أمام نظام الملالي، الذي يجد نفسه لأول مرة منذ عقود في موقع الدفاع القانوني والسياسي المتزامن. الأهم أن هذا التحوّل الدولي لم ينشأ من فراغ، بل هو ثمرة صمود الشارع الإيراني، وتحوّل الاحتجاج من فعل احتجاجي عابر إلى قوة تغيير مستدامة فرضت نفسها على الأجندة العالمية. وفي هذا السياق، تتقاطع إرادة الداخل مع مسار الخارج، لتفتح نافذة تاريخية يصبح فيها الإفلات من العقاب استثناءً، لا قاعدة . وعندما تتوحّد الحقيقة مع القانون، ويتقدّم صوت الضحايا على سرديات القمع، فإن مسار العدالة – وإن  طال-لا يعود قابلًا للارتداد، لتصبح كفّة المستقبل راجحة لصالح الشعب الإيراني، لا بحكم الأمنيات، بل بمنطق الوقائع والتحوّلات الدولية المتراكمة.