وزارة الخارجية الأميركية: ندين بشدة معاقبة الأطباء لعلاج المتظاهرين المصابين
في سابقة خطيرة تكشف عن انحدار أخلاقي غير مسبوق، وسعت السلطات الإيرانية دائرة قمعها لتتجاوز المتظاهرين في الشوارع، وتطال هذه المرة “الخط الدفاعي الأخير” عن الحياة: الأطباء والكوادر الطبية.
فقد أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية، عبر حسابها الرسمي الناطق بالفارسية على منصة “إكس”، بياناً شديد اللهجة يدين بأقسى العبارات حملة العقاب الجماعي التي يشنها النظام ضد الأطباء الذين قاموا بعلاج المتظاهرين الجرحى، واصفة هذه الممارسات بأنها “تأكيد على البربرية” وانتهاك صارخ لقدسية الطب.
يتزامن هذا الموقف الأمريكي الحازم مع تقارير ميدانية مروعة من داخل المستشفيات الإيرانية، تكشف عن اقتحامات أمنية، واختطاف للجرحى من غرف العمليات، وإصدار أحكام بالإعدام ضد جراحين لم يفعلوا شيئاً سوى الوفاء بقسمهم المهني.
الخارجية الأمريكية: “تجريم التعاطف” خيانة للإنسانية
استند بيان الخارجية الأمريكية إلى المبدأ الجوهري لمهنة الطب، مذكرًا النظام الإيراني بأن الأطباء في كل مكان في العالم، بما في ذلك إيران، “يقسمون اليمين على وضع مصالح مرضاهم فوق كل اعتبار، وعدم إلحاق الضرر بأحد، والالتزام بأعلى المعايير الأخلاقية”.
واعتبرت واشنطن أن ما يقوم به النظام من ملاحقة للأطباء هو عقاب لهم “على القيام بالضبط بما أقسموا على فعله: حماية الأرواح البشرية”. واستخدم البيان لغة فلسفية وقانونية عميقة، واصفاً تجريم تقديم العلاج للمصابين بأنه:
“تجريم للتعاطف، وتحويل المعالجين إلى أعداء، وهو ما يمثل خيانة عميقة لمفهوم الحضارة وتأكيداً على السلوك البربري للسلطة”.
سلط البيان الأمريكي الضوء بشكل خاص على قضية الجراح الإيراني الذي تحول إلى رمز عالمي لهذه المأساة. ووفقاً للخارجية الأمريكية، فقد أصدر القضاء الإيراني حكماً بالإعدام ضد هذا الطبيب، لا لشيء إلا لأنه التزم بقسمه الطبي وقدم الإسعافات اللازمة لمتظاهرين جرحى لجأوا إليه.
واعتبرت الإدارة الأمريكية أن الملف ليس مجرد قضية فردية، بل هو “نموذج صارخ للظلم الممنهج”، ودليل على “تجاهل النظام الكامل ليس فقط لأخلاقيات الطب، بل لأبسط مبادئ الإنسانية”. إن استهداف طبيب لأنه أنقذ إنساناً من الموت يمثل انقلاباً كاملاً على منظومة القيم البشرية.
ترامب: “لا للإعدامات.. وإلا”
في تطور لافت ينقل المواجهة إلى مستوى آخر، تضمن الموقف الأمريكي إشارة مباشرة لتصريحات الرئيس دونالد ترامب، الذي وضع ما يشبه “الخط الأحمر” أمام طهران.
فقد نقل البيان عن ترامب قوله بصرامة: “لا ينبغي أن تحدث أي عمليات إعدام في إيران”. ولم يكتفِ بالتحذير، بل أردف بتهديد مباشر: “إذا أقدم النظام على مثل هذه التصرفات، فسيكون لذلك عواقب وخيمة”.
هذا التحذير الصريح يشير إلى أن واشنطن لن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما نفذ النظام أحكام الإعدام بحق الأطباء أو المتظاهرين، مما يضع طهران أمام خيارات صعبة في الأيام المقبلة.
وبعيداً عن الأروقة الدبلوماسية، تكشف التقارير الواردة من الداخل الإيراني عن وقائع تفوق الخيال في وحشيتها.
ونقلت شبكة “دويتشه فيله” تفاصيل ما يجري في مدينة رشت الشمالية، وتحديداً في مستشفى “كلسار”. ووفقاً للمصادر، تحول هذا المستشفى إلى ساحة حرب ومسرح للجرائم ضد الإنسانية:
- مذبحة القاصرات: أكدت المصادر نقل عدد كبير من الجثث من أروقة المستشفى إلى ثلاجة الموتى، من بينها جثامين لأكثر من عشر فتيات مراهقات تتراوح أعمارهن بين 16 و17 عاماً، قضين نحبهن نتيجة إصابتهن بالرصاص الحي المباشر.
- جريمة حرب موصوفة: في حادثة تقشعر لها الأبدان، وثق شهود عيان قيام عناصر الأمن باقتحام المستشفى واختطاف فتاة جريحة كانت قد خرجت لتوها من غرفة العمليات ونجت من الموت بأعجوبة. قام العناصر بسحب الفتاة وهي لا تزال في وضع صحي حرج (بعد الجراحة مباشرة) من سريرها واقتيادها إلى جهة مجهولة، في انتهاك يخرق كافة اتفاقيات جنيف التي تضمن “الحياد الطبي” وحماية الجرحى حتى في أوقات الحروب.
المداهمات الأمنية للعيادات والمنازل
لم تقتصر الحملة على المستشفيات العامة، بل أكدت منظمة حقوق الإنسان الإيرانية أن جهاز الأمن الإيراني يشن حملات مداهمة منظمة تستهدف العيادات الخاصة ومنازل الأطباء.
التقارير تشير إلى أن كل طبيب أو ممرض يُشتبه في تقديمه المساعدة الطبية للمتظاهرين – حتى لو كان ذلك بشكل سري – يتعرض للاعتقال العنيف، والضرب، وتوجيه تهم ملفقة تتعلق بـ “مساعدة المشاغبين” أو “تهديد الأمن القومي”.
إن استهداف الأطباء يمثل مرحلة اليأس الأخيرة لأي نظام شمولي. فعندما يصبح “المشرط الطبي” الذي يداوي الجراح عدواً للنظام مثله مثل “الهتاف” في الشارع، فإن ذلك يعني أن السلطة قد فقدت صوابها بالكامل.
إن قضية مستشفى “كلسار” تضعان المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي حقيقي: هل سيسمح العالم بإعدام من نذروا حياتهم لإنقاذ الآخرين؟ وهل ستتحول تحذيرات ترامب بـ “العواقب” إلى إجراءات رادعة توقف مقصلة الإعدام قبل فوات الأوان؟ الأيام القادمة في إيران حبلى بالإجابات، لكن المؤكد هو أن النظام الذي يحارب “الشفاء” لا يمكنه أن يقدم لشعبه سوى “الموت”.


