رضا بهلوي والبديل المزيّف: كيف تحوّل “الوريث المنفي” إلى عبء على انتفاضة الإيرانيين؟
مقدمة: تفكيك صورة “البديل الجاهز”
في تقرير استقصائي أثار جدلًا واسعًا، نقلت وكالة رويترز، يوم الجمعة 23 يناير، عن منصة “ذا كونفرزيشن” تحليلًا نقديًا يفكك السردية التي يحاول رضا بهلوي ترسيخها حول نفسه كـ بديل سياسي محتمل لنظام الجمهورية الإسلامية. ويخلص التقرير إلى نتيجة حاسمة: نجل الشاه المخلوع يُنظر إليه من قبل قطاعات واسعة من الإيرانيين بوصفه “شخصية انتهازية”، وأن حضوره الإعلامي لم يسهم في دعم الاحتجاجات، بل أضرّ بها في لحظات مفصلية.
حصان طروادة داخل الانتفاضة
أخطر ما أورده التقرير يتمثل في التأثير العكسي للشعارات المؤيدة لـ النظام الملكي السابق خلال الاحتجاجات. فبحسب رويترز، أدّت هذه الشعارات إلى:
تعزيز دعاية النظام عبر تصوير الانتفاضة كحنين إلى “الديكتاتورية السابقة”.
توفير ذريعة جاهزة للقمع، من خلال تسويق الاحتجاجات باعتبارها مؤامرة خارجية–داخلية.
نزع الطابع الشعبي عن الحركة الاحتجاجية وتحويلها إلى ملف أمني في الخطاب الرسمي.
بهذا المعنى، لم يكن رضا بهلوي رافعة سياسية للانتفاضة، بل أداة غير مباشرة خدم بها سردية النظام، ولو دون تنسيق مباشر.
إرث القبضة الحديدية: السافاك كظلّ دائم
سلّط التقرير الضوء على الإرث التاريخي الثقيل الذي يحمله بهلوي. فهو ابن الشاه الذي حكم إيران حتى عام 1979 بـ “قبضة من حديد”، معتمدًا على جهاز الشرطة السرية سيّئ السمعة “السافاك”.
ووفق ما نقلته رويترز، فإن هذا الجهاز، الذي أُنشئ بدعم أمريكي وإسرائيلي، تورّط في مراقبة المعارضين، والتعذيب، والاعتقال التعسفي، والإعدامات . بل إن الشاه نفسه أقرّ لاحقًا بمسؤولية نظامه عن ممارسة التعذيب.
هذا الإرث لا يُعد تفصيلًا تاريخيًا، بل عاملًا بنيويًا يطرح سؤالًا جوهريًا:
هل يمكن لوريث نظام استبدادي أن يكون حاملًا صادقًا لقيم الديمقراطية؟
قائد بلا قاعدة: غياب التنظيم والشرعية
يشير التقرير بوضوح إلى أن رضا بهلوي يفتقر إلى حركة منظمة حقيقية داخل إيران. فلا حضور له بين التيارات الإصلاحية، ولا وزن فعليًا له في الأوساط الليبرالية أو الشبابية. هذا الفراغ التنظيمي جعل “حجمه السياسي” موضع شك دائم.
ويفسّر هذا الواقع تردد صانعي القرار في واشنطن، بمن فيهم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، في التعامل معه كفاعل سياسي موثوق. فالدعم الدولي، وفق المنطق الواقعي، لا يُبنى على الأسماء أو الرموز، بل على القدرة على الحشد والتأثير الميداني.
فقاعة مصنوعة خارجيًا: حملات النفوذ والتضليل
في أحد أخطر فصول التقرير، تكشف رويترز عن معطيات أعقبت ما سُمّي بـ “حرب الـ12 يومًا”، حيث فضح صحفيون إسرائيليون استقصائيون عملية نفوذ رقمية منظمة هدفت إلى الترويج لرضا بهلوي كـ “قائد محتمل” عبر وسائل التواصل الاجتماعي الفارسية.
هذه الحملات، التي اعتمدت على التضخيم والتكرار، خلقت فقاعة شعبية مصطنعة، وطرحت تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت “شعبية بهلوي” نابعة من الداخل الإيراني، أم منتجًا دعائيًا خارجيًا.
رفض داخلي صريح: اتهامات بالخيانة
لم يقتصر النقد على التحليل الإعلامي الغربي. فقد واجه بهلوي هجومًا مباشرًا من سجناء سياسيين سابقين ونشطاء بارزين، اتهموه صراحة بـ “الخيانة” ومحاولة استثمار دماء الضحايا لخدمة مشروع شخصي يفتقر إلى الجذور الوطنية.
هذا الرفض الداخلي يضعف أي ادعاء بامتلاكه شرعية تمثيلية، ويكشف الفجوة بين صورته الإعلامية وواقع المزاج الشعبي داخل إيران.
الخاتمة: بين الزعامة والانتفاع السياسي
يُختتم التقرير بالتأكيد على أن محاولات رضا بهلوي، على مدى خمسة عشر عامًا، لتوحيد المعارضة وتعظيم حضوره، لم تُنتج قيادة فعلية. ويبقى السؤال المركزي بلا إجابة:
هل هو زعيم معارضة حقيقي، أم مجرد “انتهازي سياسي” يحاول ركوب موجة دماء الإيرانيين؟
وفق هذا التحليل، يتضح أن بهلوي ليس بديلًا عن نظام الملالي، بل ظلًّا من الماضي يُستدعى عند الحاجة، ثم يُستخدم لإجهاض الحاضر. وفي لحظة تاريخية تبحث فيها إيران عن قطيعة كاملة مع الاستبداد، يصبح هذا “البديل المزيّف” جزءًا من المشكلة، لا من الحل.
د. قصي الدميسي نائب أردني سابق

