منظمة العفو الدولية تحذر من كارثة وشيكة في إيران: آلاف المعتقلين مهددون بالتعذيب والمحاكمات الصورية والإعدام
أطلقت منظمة العفو الدولية تحذيراً بالغ الخطورة عبر وثيقة «تحرك عاجل»، كشفت فيه عن أخطار وجودية تهدد آلاف المعتقلين تعسفياً في إيران على خلفية الانتفاضة الوطنية التي اندلعت أواخر العام الماضي. وأكدت المنظمة الحقوقية أن المحتجين المعتقلين يواجهون خطراً حقيقياً يتمثل في التعذيب الممنهج، والعنف الجنسي، والمحاكمات الجائرة التي قد تنتهي بإصدار أحكام إعدام جماعية.
وبحسب التقرير، تتصاعد المخاوف بصورة مقلقة منذ اندلاع الاحتجاجات في 28 ديسمبر 2025، لا سيما عقب الأوامر المباشرة التي أصدرها رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجه إي للمدعين العامين بضرورة «العمل من دون أي تساهل» بحق المحتجين. وقد ترافقت هذه الأوامر مع تصريحات لمسؤولين كبار وصفوا المتظاهرين بـ«الإرهابيين» و«مثيري الشغب»، مطالبين بمحاكمتهم ومعاقبتهم بأقصى سرعة، فيما بدأ المدعي العام ومدعو المحافظات منذ 10 يناير بتوجيه تهمة «المحاربة» للمتظاهرين، وهي تهمة يعاقب عليها القانون الإيراني بالإعدام.
وأقرت وسائل الإعلام الحكومية باعتقال الآلاف حتى منتصف يناير 2026، غير أن المعلومات التي تلقتها منظمة العفو الدولية من مصادر مستقلة ومنظمات حقوقية تشير إلى أن العدد الحقيقي يصل إلى عشرات الآلاف من المعتقلين تعسفياً. وشملت حملة الاعتقالات مختلف أنحاء البلاد، من طهران إلى كردستان وبلوشستان وأصفهان وخوزستان وغيرها من المحافظات، ولم تقتصر على المتظاهرين فقط، بل طالت المدافعين عن حقوق الإنسان، والمحامين، والطلاب، والصحفيين، وأفراد الأقليات العرقية والدينية.
كما أعربت المنظمة عن قلقها الشديد إزاء مصير عدد كبير من المعتقلين الذين لا تزال أماكن احتجازهم مجهولة، ما يضعهم في خانة «الاختفاء القسري»، في ظل رفض السلطات إبلاغ عائلاتهم بمصيرهم. وأشارت إلى أن بعضهم محتجز في ثكنات عسكرية ومستودعات غير رسمية، الأمر الذي يضاعف خطر تعرضهم للتعذيب بعيداً عن أي رقابة قانونية.
وكشف التقرير عن مشاهد مروعة داخل مراكز الاحتجاز وغرف التحقيق، حيث وثقت منظمة العفو الدولية تعرض المعتقلين للضرب المبرح، والتهديد بالإعدام الفوري، والحرمان المتعمد من الطعام والماء والرعاية الطبية. وأكدت أن أخطر الانتهاكات تمثلت في استخدام العنف الجنسي كوسيلة للتعذيب والإذلال.
وفي إحدى الحالات الموثقة بمدينة رشت في محافظة جيلان بتاريخ 9 يناير 2026، داهمت قوات الأمن منزل أحد المتظاهرين، ولم تكتف باعتقاله، بل أخضعته وشقيقتيه للعنف الجنسي. وأجبرت القوات الشقيقتين، إحداهما طفلة تبلغ من العمر 14 عاماً، والمتظاهر على التعري الكامل أمام الجميع بذريعة «تفتيش أجسادهم» بحثاً عن آثار طلقات الخرطوش لإثبات مشاركتهم في الاحتجاجات، قبل اقتياد المتظاهر إلى جهة مجهولة، حيث لا يزال مصيره مجهولاً حتى الآن.
ولم تسلم المستشفيات والطواقم الطبية من القمع، إذ وثقت المنظمة قيام قوات الأمن في محافظات عدة، بينها أصفهان وتشهارمحال وبختياري، باعتقال الجرحى مباشرة من أسِرّة المستشفيات، بمن فيهم من كانوا بحاجة ماسة إلى رعاية طبية عاجلة لإنقاذ حياتهم. كما أُجبرت الطواقم الطبية على الإبلاغ عن أي مصاب بطلقات نارية أو خرطوش، فيما تعرض أطباء وممرضون للاعتقال بسبب تقديمهم إسعافات أولية للمحتجين خارج المستشفيات بهدف حمايتهم من الاعتقال.
وفي سياق متصل، أُعلن في 30 يناير 2026 عن قائمة جديدة تضم 450 شهيداً من شهداء الانتفاضة، بينهم 51 امرأة و35 طفلاً ومراهقاً، من بينهم رضيع وأطفال بعمر ثلاث سنوات، ما يرفع عدد الضحايا الموثقين لقمع حرس النظام الإيراني إلى 1449 شهيداً.
وحذرت منظمة العفو الدولية من أن السلطات الإيرانية تمهد الطريق لموجة إعدامات جديدة على غرار ما أعقب انتفاضة عام 2022، مشيرة إلى شروع التلفزيون الحكومي في بث «اعترافات قسرية» لمتظاهرين، بينهم أطفال، يعترفون بجرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام، وهي اعترافات انتُزعت تحت التعذيب. وأكدت أن المحاكمات أمام ما يُعرف بـ«المحاكم الثورية» تفتقر إلى أبسط معايير العدالة، حيث يُحرم المتهمون من حق الاستعانة بمحامين، ويُجبرون على تجريم أنفسهم، وتصدر بحقهم أحكام بالإعدام أو السجن الطويل استناداً إلى أدلة مفبركة.
ويأتي هذا القمع الدموي رداً على احتجاجات شعبية واسعة اندلعت في 28 ديسمبر 2025 نتيجة الانهيار الحاد للعملة وتدهور الأوضاع المعيشية والخدمات الأساسية. وقد انطلقت الاحتجاجات بإضرابات في «البازار الكبير» بطهران، قبل أن تتحول سريعاً إلى مظاهرات تطالب بإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية بأكمله. ولإخفاء حجم الجرائم، فرضت السلطات تعتيماً إعلامياً شاملاً وقطعت الإنترنت منذ 8 يناير 2026.
وفي ختام تقريرها، دعت منظمة العفو الدولية المجتمع الدولي إلى تحرك فوري وفاعل للضغط على السلطات الإيرانية من أجل الإفراج عن جميع المعتقلين تعسفياً، والكشف عن مصير المختفين قسرياً، وإلغاء أحكام الإعدام الصادرة، وضمان حماية المحتجزين من التعذيب وسوء المعاملة.

