بين ديكتاتوريتين… لماذا يرفض الإيرانيون استبدال طغيانٍ بآخر؟
في واحدة من أكثر المراحل قتامة في تاريخ إيران المعاصر، تلوح في الأفق لحظة فاصلة طال انتظارها. فبعد عقود من الصمت، والمساومات، والدبلوماسية العقيمة، وصلت سياسة استرضاء النظام الحاكم في طهران إلى نهايتها. ومع تصاعد مقاومة الشعب الإيراني، ولا سيما بعد حمّامات الدم التي رافقت الاحتجاجات الأخيرة، أعلن الاتحاد الأوروبي رسميًا تصنيف حرس النظام الإيراني منظمةً إرهابية، في خطوة تعكس تحوّلًا نوعيًا في التعاطي الدولي مع السلطة القائمة.
نهاية الاسترضاء… ضربة في قلب النظام
لا يُعد هذا القرار إجراءً رمزيًا أو شكليًا؛ فحرس النظام ليس مجرد قوة عسكرية، بل هو شبكة متشعبة تسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد، وتدير السياسة من خلف الستار، وتعمل كـ«حكومة ظل» تدين بالولاء المباشر للولي الفقيه. ومن شأن تصنيفه منظمةً إرهابية أن يوجّه ضربة مباشرة إلى العمود الفقري للسلطة، إذ لن تقتصر كلفته على مؤسسة واحدة، بل ستمتد إلى كامل بنية الحكم. وبهذا القرار، بات العالم يتعامل علنًا مع حقيقة أن إيران تُدار بقوة منظمة تعتمد العنف والخوف وسيلة للحكم.
درس التاريخ… وهم “شجرة التفاح”
لفهم دلالات هذه اللحظة، لا بد من استحضار تجربة التاريخ. ففي عام 1979، وقبيل عودته إلى إيران، أقام مؤسس النظام روح الله خميني في فرنسا، حيث جلس تحت شجرة تفاح مخاطبًا الصحافة العالمية بوعود براقة عن الحرية، وحرية التعبير، وتعدد الأحزاب، واستقلال الصحافة، وحقوق المرأة، بل وحتى التسامح مع المعارضين السياسيين، مؤكدًا أن رجال الدين لن يتدخلوا في شؤون الحكم.
لكن ما إن استتب له الأمر حتى تبخّرت الوعود، وحلّت الإعدامات محل الحوار، والرقابة محل الحرية، واعترف خميني لاحقًا بأنه خدع الرأي العام. هذه التجربة لا تُستحضر من باب الماضي فحسب، بل لأنها تنذر بخطر مشابه يلوح اليوم، ولكن من زاوية أخرى.
عودة الوهم القديم… تلميع نظام الشاه
مع اهتزاز أركان النظام الحالي وظهور مؤشرات تراجعه، برزت حملات دعائية جديدة تتمحور حول نجل الشاه السابق. وتسعى هذه الجهود، عبر الإعلام وبعض المؤيدين في الخارج، إلى اختطاف لحظة التغيير المرتقبة، واستبدال حكم مطلق بآخر، أي إزاحة نظام الملالي لصالح إعادة إنتاج نظام الشاه.
الأكثر خطورة أن بعض المتحمسين لهذا الطرح يلجأون إلى الترهيب والتهديد والمضايقات العلنية، ليس داخل إيران بل في مدن أوروبية، حيث يهاجمون كل من يخالفهم الرأي ويرددون شعارات عدوانية ويهددون معارضين سياسيين. وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: إذا كان هذا سلوكهم وهم خارج السلطة، فكيف سيكون حال الحكم إن وصلوا إليها؟
لا لعودة “السافاك”
تذهب بعض هذه الأصوات إلى حد الدعوة الصريحة لإعادة جهاز الشرطة السرية في عهد الشاه، المعروف بـ«السافاك»، والمسؤول عن التعذيب والقمع. إن فكرة أن يقدّم الإيرانيون تضحيات جسيمة لتفكيك أجهزة القمع الحالية، فقط ليستبدلوها بجهاز آخر سيئ الصيت، تُعد إهانة صارخة لتاريخ نضالهم. فالديكتاتورية لا تتحول إلى ديمقراطية بتغيير اسمها، والاستبداد يبقى استبدادًا مهما تبدلت شعاراته وأشكاله.
الطريق الحقيقي إلى المستقبل
من الثورة الدستورية قبل أكثر من قرن، إلى إسقاط نظام الشاه عام 1979، وصولًا إلى الانتفاضات المتتالية في السنوات الأخيرة، أثبت الشعب الإيراني حقيقة واحدة ثابتة: رفضه القاطع لكل أشكال الديكتاتورية.
ما يتبلور اليوم ليس حنينًا إلى الماضي، بل فرصة لصياغة مستقبل ديمقراطي حقيقي، يُقصي نهائيًا كلاً من نظام الملالي وبقايا نظام الشاه عن الحياة السياسية. الهدف هذه المرة واضح ولا لبس فيه: إيران حرّة يحكمها شعبها، لا استبداد ديني، ولا حكم وراثي، ولا دولة تُدار بالخوف.

