الهندسة الرقمية للشرعية: كيف يوظّف نظام طهران “نظام الشاه الافتراضي” لتفكيك المعارضة
د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي
تقرير استقصائي يكشف بنية التلاعب المنظّم
في يناير 2026، نشرت مجموعة الأبحاث المستقلة “تيردستن 71” تقريراً استقصائياً موسعاً حول شبكة من الحسابات الوهمية التي تعمل على إبراز صورة نجل شاه إيران السابق، رضا بهلوي، بوصفه بديلاً سياسياً يحظى بدعم شعبي واسع. التقرير، الذي استند إلى قاعدة بيانات مدمجة تضم عشرات الملايين من سجلات حسابات المستخدمين، لا يتعامل مع الظاهرة باعتبارها انحرافاً محدوداً في بيئة التواصل الاجتماعي، بل كنموذج متكامل لـسلوك منسق غير حقيقي صُمم لمحاكاة شرعية سياسية رقمية.
بحسب المعطيات المنشورة، فإن الشبكة لم تكتفِ بتضخيم صورة بهلوي، بل انخرطت في أنشطة منهجية تستهدف تشويه أطياف المعارضة الأخرى، وخصوصاً القوى المنظمة التي تمتلك حضوراً ميدانياً وتاريخاً نضالياً موثقاً، وفي مقدمتها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ومنظمة مجاهدي خلق، كما يظهر في تغطيات الموقعين الرسميين باللغتين الفارسية والعربية، فضلاً عن المواقف المعلنة للسيدة مريم رجوي.
من “المعارضة الافتراضية” إلى الذراع غير المباشرة للنظام
الاستنتاج الأخطر في تقرير “تيردستن 71” يتمثل في أن عدداً كبيراً من الحسابات التي قدمت نفسها كأنصار متشددين لنظام الشاه أو كمعارضين راديكاليين للنظام الحالي، كانت تُدار من داخل إيران، وتحديداً من طهران. هذا المعطى ينقل القضية من مجرد تنافس سياسي في المنفى إلى هندسة سيبرانية داخلية تخدم حسابات السلطة.
الوظيفة الاستراتيجية لهذه الشبكة لم تكن إنتاج خطاب بديل فحسب، بل إعادة تشكيل مشهد المعارضة بطريقة تُغرق الفضاء الرقمي في فوضى ادعاءات متناقضة، وتزرع الشكوك المتبادلة بين القوى المناهضة للنظام. النتيجة: إضعاف الثقة العامة في أي مشروع تغييري منظم، وتقديم صورة مشوشة للشارع الإيراني وللمجتمع الدولي على حد سواء.
استراتيجية “تفكيك البديل” كعقيدة أمنية
منذ اندلاع موجات الاحتجاج المتتالية داخل إيران، دأب النظام على الترويج لرواية مفادها أن الحراك الشعبي “مصطنع” أو “موجّه من الخارج”. الشبكة التي وثقها التقرير توفر للنظام مادة دعائية جاهزة لتعزيز هذا الادعاء. فعندما يتم تضخيم كيان سياسي عبر خط إنتاج من حسابات مبرمجة تلعب دور الجماهير، يصبح من السهل لاحقاً الطعن في مصداقية الاحتجاجات برمتها.
هذا النمط يعكس ما يمكن وصفه بـعقيدة تفكيك البديل: بدلاً من مواجهة المعارضة المنظمة مباشرة، يتم خلق بدائل رقمية هجينة، تُضخَّم إعلامياً، ثم يُستخدم وجودها المشوّه لتبرير قمع الجميع. هكذا تتحول “المعارضة الافتراضية” إلى رصيد أمني للنظام، ولو بدت ظاهرياً في موقع النقيض منه.
تلويث المجال العام وإعادة تعريف الشرعية
يشير التقرير إلى أن شبكة السلوك المنسق غير الحقيقي المرتبطة ببهلوي أسهمت في تلويث فضاء المعارضة المشروعة. هذا التلويث لا يقتصر على المنافسة الخطابية، بل يمتد إلى إعادة تعريف مفهوم الشرعية ذاته. فعندما يصبح الدعم الرقمي معياراً بديلاً عن التنظيم الميداني والتضحيات الفعلية، يتم اختزال السياسة في مؤشرات تفاعل يمكن تصنيعها تقنياً.
في هذا السياق، تبدو تحذيرات السيدة مريم رجوي المتكررة من محاولات “اختطاف الانتفاضة” عبر مشاريع غير ديمقراطية أو مدعومة من دوائر استخبارية، جزءاً من قراءة أوسع لطبيعة الصراع. فالمسألة لم تعد فقط بين نظام ومعارضة، بل بين مشروع تغيير مؤسسي وبين عمليات تضليل تسعى إلى إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال مختلفة.
انعكاسات دولية: تشويش القرار الغربي
على المستوى الدولي، يخلق هذا المشهد المشوش تحدياً لصنّاع القرار في العواصم الغربية. فالتعامل مع بدائل مصطنعة أو مبالغ في حضورها قد يؤدي إلى سوء تقدير استراتيجي بشأن طبيعة القوى الفاعلة داخل إيران. كما يمنح طهران هامش مناورة إضافياً، إذ تستطيع الإشارة إلى “انقسام المعارضة” أو “طابعها الافتراضي” لتقويض أي ضغط سياسي أو حقوقي.
إن تجاهل البعد السيبراني في إدارة الصراع مع النظام الإيراني لم يعد خياراً واقعياً. فالتلاعب الرقمي أصبح جزءاً بنيوياً من أدوات البقاء لدى النظام، إلى جانب القمع الميداني وتصدير الأزمات الإقليمية.
خلاصة استراتيجية: معركة الشرعية في العصر الرقمي
ما يكشفه تقرير “تيردستن 71” يتجاوز شخصية سياسية بعينها، ليسلط الضوء على آلية منهجية لإعادة هندسة المجال العام الإيراني. فالنظام لا يكتفي بقمع الشارع، بل يسعى إلى التحكم في تمثيله الرقمي، وصناعة بدائل هجينة تُستخدم لاحقاً لضرب أي مسار تغييري حقيقي.
في معركة الشرعية الجارية، لم يعد السؤال من يعارض النظام فحسب، بل من يُسمح له بأن يُمثّل المعارضة. وبينما تتصاعد الاحتجاجات وتتعمق أزمات الحكم في طهران، يبدو أن النظام اختار خوض جزء من المواجهة في الفضاء السيبراني، حيث يمكن تصنيع الجماهير بضغطة زر، وتشويه الحقائق بخوارزمية مبرمجة.
غير أن الشرعية، في نهاية المطاف، لا تُنتج في مزارع الحسابات الوهمية، بل تُختبر في الميدان، وفي قدرة القوى السياسية على تقديم بديل ديمقراطي واضح المعالم، يتجاوز إرث الاستبداد، أياً كان شكله أو غلافه الرقمي.
د. خاطرسامي أكاديمي وأستاذ جامعي

