إعادة تدوير الاستبداد: مناورات “الخلافة” في خدمة الديكتاتورية الدينية
د.سامي خاطر
آكاديمي وأستاذ جامعي
أولاً: صناعة الخلافة كأداة تضليل استراتيجي
في مؤتمر “إيران : آفاق التغيير” الذي عُقد في برلين، قدّم السفير الأميركي الأسبق لينكولن بلومفيلد مداخلة يمكن توصيفها بأنها تفكيك منهجي لبنية السردية المصطنعة التي يروّجها النظام الإيراني حول مرحلة “ما بعد خامنئي”. جوهر أطروحته تمحور حول أن الحديث الإعلامي الغربي عن “خلافة” محتملة بين مجتبى خامنئي ورضا بهلوي ليس سوى مسرح سياسي مُدار استخبارياً، هدفه إعادة تعريف الخيارات أمام الداخل الإيراني والمجتمع الدولي ضمن إطار ضيق يخدم بقاء المنظومة نفسها. بحسب بلومفيلد، فإن حصر مستقبل إيران بين شخصيتين تفتقران إلى الشرعية الشعبية أو السجل القيادي المستقل ليس نقاشاً طبيعياً حول انتقال سلطة، بل عملية “إلهاء استراتيجي”. النظام، عبر شبكاته الإعلامية والأمنية، يعيد إنتاج معادلة “إما نحن أو الفوضى”، مستبدلاً هاجس الفوضى بشخصيات لا تمثل سوى استمرار مُقنّع للمنظومة ذاتها، وللاقتصاد الريعي القائم على نهب منظم للثروة الوطنية.
ثانياً: الغرب بين البراغماتية قصيرة الأجل والعمى المتعمد
انتقد بلومفيلد بحدة السياسات الغربية، معتبراً أن واشنطن وبعض العواصم الأوروبية وقعت في فخ التضليل المعلوماتي المنظم. فمنذ أربعة عقود، تمّ تغليب حسابات التفاوض النووي، وصفقات الإفراج عن رهائن، والاستقرار الإقليمي التكتيكي، على حساب المساءلة التاريخية لسجل النظام . التساؤل الذي طرحه – حول معرفة الصحفيين الغربيين بدور علي خامنئي في الثمانينيات في الإشراف على منظومة القمع – لم يكن مجرد استدعاء للماضي، بل إشارة إلى خلل بنيوي في الذاكرة السياسية الغربية . هذا الخلل سمح لطهران بإعادة تدوير نفسها كشريك تفاوضي “صعب لكن عقلاني”، فيما استمرت في الداخل بسياسات الإعدام، والقمع، وتصفية المعارضين. إن القبول الغربي بسردية “الاستقرار مقابل الصمت” أنتج نتيجة معاكسة : تعزيز ثقة النظام بإفلاته من العقاب، وتوسيع هامش مناورة أجهزته الأمنية خارج الحدود.
ثالثاً: الخوف الوجودي من البديل المنظم
في تحليله لجذر الصراع، أشار بلومفيلد إلى أن عداء النظام لـمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية لا يرتبط فقط بقدراتهما التنظيمية، بل بطبيعة التحدي الأيديولوجي الذي يمثلانه. فمنذ الأيام الأولى بعد ثورة 1979، طرح مسعود رجوي قراءة مغايرة للإسلام السياسي، تقوم على الربط بين الإيمان والحرية، والدين والديمقراطية، والمساواة الكاملة بين الجنسين. هذا الطرح، الذي يتقاطع مع “خطة النقاط العشر” التي تتبناها مريم رجوي، يسحب من النظام أهم أدوات شرعنته: احتكار تفسير الدين.
النظام يدرك أن الخطر الحقيقي لا يكمن في أسماء يجري تداولها إعلامياً، بل في نموذج بديل متكامل يقدّم تصوراً لدولة مدنية، تفصل بين الدين والسلطة، وتلتزم بالانتخابات الحرة والتعددية. لذلك، فإن ماكينة الدعاية الرسمية تعمل على شيطنة هذا البديل أو تهميشه في الخطاب الدولي، بالتوازي مع تضخيم “لعبة الخلافة“.
رابعاً : سجل عابر للحدود لا يمكن طمسه
لم يغفل بلومفيلد التذكير بالسجل الإرهابي العابر للحدود، من تفجير أبراج الخبر في السعودية، إلى تفجير مركز “آميا” في الأرجنتين، واغتيال المعارضين الأكراد في مطعم ميكونوس ببرلين، ومحاولة تفجير تجمع للمعارضة في باريس عام 2018. هذه الوقائع ليست حوادث منفصلة، بل مكونات في عقيدة أمنية هجومية تستخدم الإرهاب كأداة سياسة خارجية. المفارقة أن النظام الذي يروّج اليوم لسيناريوهات “انتقال منظم للسلطة” هو ذاته الذي راكم خبرة طويلة في تصدير العنف وتصفية الخصوم خارج حدوده. تجاهل هذا البعد عند مناقشة مستقبل إيران يعني القبول بإعادة إنتاج المشكلة نفسها بواجهة جديدة.
خلاصة استراتيجية : معركة المعلومات قبل معركة السلطة
الرسالة المركزية لمداخلة بلومفيلد تتمثل في أن المعركة الراهنة ليست فقط على من سيخلف خامنئي، بل على من يعرّف الخيارات المتاحة أمام الإيرانيين والعالم. إذا بقي النقاش محصوراً داخل الإطار الذي يرسمه النظام، فإن النتيجة المرجحة ستكون إعادة تدوير السلطة لا تغييرها. إن كسر احتكار السردية، وتسليط الضوء على البديل الديمقراطي المنظم، ومساءلة السجل التاريخي للنظام بلا مواربة، تشكل عناصر أساسية لأي سياسة غربية جادة. فالمعلومات الدقيقة – كما خلص بلومفيلد – ليست مجرد أداة توثيق، بل سلاح استراتيجي قادر على تقويض شرعية منظومة تقوم في جوهرها على التعتيم والخداع . في لحظة تتكاثر فيها التكهنات حول “اليوم التالي”، يبقى السؤال الحقيقي: هل يتعامل المجتمع الدولي مع إيران كملف أمني مؤقت، أم كقضية تحول تاريخي لشعب يسعى إلى استعادة سيادته من قبضة ديكتاتورية دينية مأزومة؟


