الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

عبد الرزاق الزرزور يكتب: إعادة تموضع النظام الإيراني بين الردع القسري ومأزق الشرعية إستراتيجية الدفن والتحصين عبد الرازق الزرزور/ محامي وناشط حقوقي إعادة بناء تحت الظل: تحصين المنشآت كخيار اضطراري كشف تقرير حديث لوكالة رويترز

عبد الرزاق الزرزور يكتب: إعادة تموضع النظام الإيراني بين الردع القسري ومأزق الشرعية

عبد الرزاق الزرزور يكتب: إعادة تموضع النظام الإيراني بين الردع القسري ومأزق الشرعية

إستراتيجية الدفن والتحصين

عبد الرازق الزرزور/ محامي وناشط حقوقي

إعادة بناء تحت الظل: تحصين المنشآت كخيار اضطراري

كشف تقرير حديث لوكالة رويترز، استناداً إلى صور أقمار صناعية التُقطت في فبراير 2026، عن تحركات متسارعة للنظام الإيراني لإعادة بناء وتحصين منشآته النووية والعسكرية الحساسة. هذه التحركات لا تعكس مجرد أعمال ترميم تقنية، بل تمثل إعادة تموضع دفاعي شامل في ضوء الضربات الجوية السابقة التي استهدفت البنية التحتية الاستراتيجية للنظام.

يتزامن ذلك مع استمرار المسار التفاوضي في جنيف، ما يكشف مفارقة لافتة:  التفاوض في العلن، والتحصين في الخفاء. عملياً، يبدو أن طهران تسعى إلى رفع كلفة أي خيار عسكري مستقبلي عبر تعزيز مناعتها الميدانية، تحسباً لاحتمال انهيار التفاهمات أو تغير موازين القوى الإقليمية.

بارشين: “تابوت خرساني” لحماية برنامج مثقل بالشكوك

أظهرت الصور إنشاء درع خرساني ضخم فوق منشآت جديدة في مجمع بارشين، الموقع المرتبط تاريخياً بتجارب تفجيرية ذات صلة محتملة بالشق العسكري للبرنامج النووي. ووفق تقييمات معهد العلوم والأمن الدولي، فإن ما يجري بناؤه يشبه “تابوتاً خرسانياً” يهدف إلى حماية معدات حيوية من الضربات الدقيقة.

هذا الخيار الهندسي لا يُقرأ فقط باعتباره إجراءً وقائياً، بل باعتباره إقراراً ضمنياً بفعالية الضربات السابقة.  فبناء منشآت محصنة ومدفونة تحت طبقات كثيفة من الخرسانة والتراب يعكس قناعة بأن المنشآت المكشوفة لم تعد قابلة للبقاء في بيئة ردع متغيرة. وهو ما يضع النظام أمام معادلة مكلفة: كل متر إسمنتي إضافي يعني اعترافاً إضافياً بضعف الردع التقليدي.

نطنز وأصفهان: دفن الأنفاق كعقيدة دفاع سلبي

في محيط منشأة نطنز، ولا سيما في منطقة جبل كلنك كاز لا، رُصد نشاط مكثف للآليات الثقيلة وخلاطات الأسمنت لتعزيز المداخل المؤدية إلى الأنفاق العميقة. أما في مجمع أصفهان النووي، فقد أظهرت الصور طمر مداخل الأنفاق الاستراتيجية بالكامل بحلول 10 فبراير.

هذه الإجراءات تندرج ضمن ما يسميه النظام “الدفاع السلبي”، أي تقليل قابلية الاستهداف عبر الإخفاء والتحصين والدفن بدلاً من الاعتماد على الرد العسكري المباشر. غير أن هذا النمط الدفاعي يعكس أيضاً محدودية القدرة على الردع الهجومي، ويؤكد أن طهران باتت تتحرك من موقع التحسب والاحتواء لا من موقع المبادرة.

القواعد الصاروخية: ترميم غير مكتمل لقدرة ردع متآكلة

على مستوى البنية الصاروخية، أظهرت صور الأقمار الصناعية أعمال ترميم في قواعد جنوب شيراز وفي موقع قم، شملت استبدال أسقف المباني المركزية المتضررة. إلا أن تقييمات نقلتها وكالة رويترز تفيد بأن هذه القواعد لم تستعد طاقتها التشغيلية الكاملة بعد.

بالتوازي، وصفت صحيفة وول ستريت جورنال الضربة الأمريكية على المنشآت النووية عام 2025 بأنها “أفضل قرار لذلك العام”، معتبرة أنها شلت البرنامج النووي وأضعفت النظام. هذا التوصيف، بصرف النظر عن طابعه السياسي، يعكس قناعة في أوساط غربية بأن هامش المناورة الاستراتيجية لطهران تقلص فعلياً.

البعد المالي: ملاحقة شبكات الالتفاف على العقوبات

في السياق ذاته، يلاحق مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي شبكات دولية لغسيل الأموال يُشتبه في عملها لصالح الحرس الثوري للالتفاف على العقوبات. هذا التطور يعمّق مأزق النظام، إذ لم تعد المواجهة مقتصرة على البعد العسكري، بل امتدت إلى الخنق المالي المنهجي.

وفق ما تنشره منصات المعارضة الإيرانية، فإن استراتيجية التحصين هذه لا تعبّر عن قوة، بل عن قلق وجودي داخل بنية السلطة. فتكلفة إعادة البناء والتحصين، في ظل اقتصاد مثقل بالعقوبات والتضخم، تعني استنزافاً إضافياً لموارد الدولة على حساب الداخل الإيراني.

خلاصة استراتيجية: تحصين البنية لا يحصّن الشرعية

مجمل المؤشرات توحي بأن طهران تسعى إلى شراء الوقت عبر تعزيز مرونة بنيتها التحتية، استعداداً لسيناريو تصعيد محتمل إذا تعثرت مفاوضات جنيف. غير أن التحصين الهندسي لا يعادل تحصيناً سياسياً.  فكل خطوة نحو مزيد من الدفن والإخفاء تعزز الانطباع الدولي بأن البرنامج النووي لا يزال محاطاً بالريبة.

في المحصلة، يبدو أن النظام الإيراني انتقل من استراتيجية “التوسع المحسوب” إلى استراتيجية “التحصين الدفاعي”، وهو انتقال يعكس تراجعاً في الثقة بقدرة الردع التقليدي. وبينما تراهن القيادة على الإسمنت والأنفاق لتعزيز الصمود، يبقى السؤال الاستراتيجي مفتوحاً: هل يمكن لبنية مدفونة تحت الجبال أن تحمي نظاماً تتآكل شرعيته فوق الأرض؟