عقيدة الضربات العابرة للحدود:
لماذا يلوّح نظام طهران باستهداف أشرف 3؟
رجل يسير وسط طهران يوم الأربعاء بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية أميركية – إسرائيلية
تكشف التقارير الصادرة عن موقع “طهران برس”، المرتبط ببلدية طهران وأجهزة أمن العاصمة، عن تحوّلٍ نوعيٍ في خطاب النظام الإيراني تجاه مجمّع أشرف 3 في ألبانيا، حيث يقيم آلافٌ من أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. فالإيحاء بإمكانية شنّ هجومٍ خارج الحدود الإيرانية، استناداً إلى سابقةٍ عملياتيةٍ في قبرص، لا يمثل مجرد دعايةٍ داخلية، بل يندرج ضمن إعادة تعريف المجال العملياتي لقوات حرس النظام خارج الإقليم التقليدي.
الرسالة الأساسية مزدوجة: أولاً، أن طهران لم تعد تعتبر نفسها مقيّدةً باعتبارات السيادة الجغرافية عند استهداف خصومها؛ وثانياً، أن مجاهدي خلق ما تزال تُصنَّف داخل بنية القرار باعتبارها التهديد الوجودي الأول لبقاء النظام.
اللافت أن وسائل الإعلام القريبة من الأجهزة الأمنية لم تتعامل مع التهديد بوصفه احتمالاً نظرياً، بل قدّمته في إطار “خيارات عملياتية” مفتوحة. هذا التوصيف يعكس حقيقةً راسخةً في عقيدة النظام: الصراع مع مجاهدي خلق ليس سياسياً فحسب، بل أمني–وجودي.
وتؤكد البيانات الصادرة عن قيادة المقاومة، وفق ما نشره موقع “مجاهدي خلق”، أن المواجهة داخل إيران تصاعدت خلال الأشهر الأخيرة. فقد أعلنت القيادة في 23 فبراير عن استشهاد واعتقال 100 من عناصرها في اشتباكاتٍ مع قوات النظام، مؤكدةً توجيه “مطرقة نارية” إلى مراكز حساسةٍ في طهران. في حسابات السلطة، لا يشكل هذا مجرد حادثٍ أمني، بل اختراقاً مباشراً لرمزية الحكم.
بحسب بيان المقاومة، يُستخدم مجمّع “مطهري”، الذي كان سابقاً موقع قصور الشاه، اليوم كمركزٍ متداخلٍ يضم مقر إقامة علي خامنئي، إضافةً إلى مكاتب مجلس صيانة الدستور، ومجلس خبراء القيادة، والمكتب المركزي لرئيس السلطة القضائية، ووزير المخابرات، والمجلس الأعلى للأمن القومي، ومجمع تشخيص مصلحة النظام. كما يُعتقد أن مجتبى خامنئي يمارس دوراً محورياً من داخل هذا المجمع.
استهداف هذا الحيّز، حتى رمزياً، يحمل دلالةً إستراتيجية: القدرة على الاقتراب من النواة الأمنية للنظام. ومن هنا يمكن فهم التصعيد الخارجي كآليةٍ تعويضية: عندما يُخترق الداخل، يُلوَّح بالخارج.
التهديد بمهاجمة أشرف 3 لا يُقرأ بمعزلٍ عن سياقٍ أوسع يتمثل في محاولة إعادة بناء صورة الردع. فبعد سنواتٍ من العقوبات والاحتجاجات الداخلية المتكررة، باتت القيادة الإيرانية أكثر حساسيةً تجاه أي مؤشرٍ يُفهم على أنه ضعف.
غير أن نقل المواجهة إلى أوروبا، وتحديداً ألبانيا، العضو في حلف الناتو، ينطوي على مخاطرةٍ إستراتيجيةٍ عالية. أي عملٍ عدائيٍ مباشرٍ سيُفسَّر باعتباره انتهاكاً لسيادة دولةٍ أوروبية، ما قد يفتح الباب أمام ردودٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ تتجاوز الحسابات الإيرانية التقليدية.
المتحدث باسم مجاهدي خلق اعتبر التهديدات امتداداً لشعارات “الموت لمجاهدي خلق” التي رُفعت في تجمعاتٍ حكوميةٍ بطهران، معتبراً أنها تعكس حالة غيظٍ بعد الهجوم الذي استهدف ما وصفه بـ “بيت خامنئي العنكبوتي” قبل أيامٍ من الحرب الأخيرة. لكن القراءة التحليلية تتطلب تجاوز اللغة التعبوية إلى حسابات الكلفة والعائد.
من منظور النظام، هناك ثلاثة أهدافٍ محتملة:
1. ردع داخلي عبر إظهار اليد الطويلة للأجهزة الأمنية.
2. رسالة خارجية بأن المعارضة لن تكون بمأمنٍ حتى في أوروبا.
3. إعادة توحيد القاعدة الصلبة للنظام حول عدوٍ خارجيٍ واضح.
غير أن هذه الأهداف تصطدم بواقع أن أي مغامرةٍ خارجيةٍ قد تؤدي إلى عزلةٍ أعمق وتشديد العقوبات، وربما إعادة تصنيف سلوك طهران ضمن أطرٍ قانونيةٍ دوليةٍ أكثر صرامة.
هناك ثلاثة سيناريوهاتٍ محتملة:
1. الردع الخطابي: الاكتفاء بالتهديد دون تنفيذ، بهدف رفع الكلفة النفسية على الخصم.
2. عمليات غير مباشرة: استخدام أدواتٍ سيبرانيةٍ أو شبكاتٍ غير رسميةٍ لتجنب المواجهة العلنية.
3. تصعيد مباشر: وهو الأقل احتمالاً لكنه الأكثر خطورة، لما يحمله من تبعاتٍ قانونيةٍ وسياسية.
تكشف هذه التطورات أن النظام الإيراني، في مرحلته الراهنة، يتحرك بدافع القلق البنيوي على البقاء أكثر مما يتحرك بثقةٍ إستراتيجية. التلويح باستهداف أشرف 3 ليس مؤشراً على قوةٍ فائضة، بل على إدراكٍ متزايدٍ بأن خصماً منظماً ما زال قادراً على إزعاج مركز السلطة.
في المحصلة، كلما ازداد النظام اعتماداً على أدوات الردع الخارجي لقمع تحديات الداخل، اقترب أكثر من معادلةٍ خطرة: توسيع رقعة الصراع قد يسرّع استنزافه بدلاً من أن يؤمّن بقاءه.

