معركة السيادة في إيران: من قبضة الولي الفقيه إلى مشروع الجمهورية الديمقراطية
د. سامي خاطر
آكايمي واستاذ جامعي
أولاً: من المعارضة إلى مشروع الدولة البديلة
يشكّل إعلان الحكومة المؤقتة للجمهورية الديمقراطية في إيران من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية نقطة تحوّل نوعية في مسار الصراع مع نظام الملالي. فهذه الخطوة لا تندرج ضمن إطار رمزي أو تعبوي، بل تعكس انتقال المعارضة المنظمة من موقع الاحتجاج إلى موقع بناء البديل السياسي. إن الإعلان يهدف إلى نقل السيادة إلى الشعب الإيراني عبر مرحلة انتقالية محددة المعالم، تمهيداً لتأسيس جمهورية قائمة على التعددية والانتخاب الحر وفصل الدين عن الدولة. الرسالة السياسية هنا واضحة :
لم يعد السؤال هل يسقط النظام، بل كيف تُدار مرحلة ما بعده. هذا التحول يعيد تعريف معادلة الصراع؛ فبدلاً من ثنائية نظام مقابل احتجاج بات المشهد أقرب إلى نظام مأزوم في مواجهة مشروع دولة بديلة.
ثانياً: الرسالة الاستراتيجية لمريم رجوي
في توجيهاتها الأخيرة، شددت رجوي على أن المرحلة الراهنة هي مرحلة الحسم السياسي والتنظيمي، داعية إلى توحيد الجهود الميدانية والسياسية حول هدف إسقاط النظام وإقامة جمهورية ديمقراطية. وترتكز رؤيتها على خطة النقاط العشر التي تتضمن إلغاء عقوبة الإعدام، والمساواة بين الجنسين، والحكم الذاتي القومي، وإيران غير نووية. أهمية هذه الرسالة تكمن في بعدها العملي: فهي لا تكتفي برسم أفق نظري، بل تربط بين التحرك الميداني المنظم والإطار الدستوري الانتقالي. بهذا المعنى، تحاول المعارضة بقيادة رجوي سحب الشرعية السياسية من النظام، وتقديم نفسها كفاعل يمتلك تصوراً مؤسساتياً لإدارة الدولة.
ثالثاً: ثلاثون عملية… رسالة ميدانية موازية
تزامناً مع الإعلان السياسي، نفذت وحدات المقاومة 30 إلى 31 عملية منسقة في طهران و19 إلى 20 مدينة، شملت مراكز الحرس والباسيج ومؤسسات أيديولوجية ومالية مرتبطة بالنظام. امتدت العمليات من طهران إلى مشهد وتبريز وأصفهان والأهواز وكرمانشاه وكرج وشيراز وبندر عباس وزاهدان وجابهار وعبادان وخرمشهر وساري وغيرها. هذه العمليات، كما عُرضت في منصات المجاهد لم تكن مجرد أعمال رمزية، بل استهدفت بنية القمع المؤسسية :
قواعد الباسيج، ومقرات الحرس، والحوزات الدينية التي تُوصَف بأنها غطاء أيديولوجي للقمع، ومؤسسات مالية مثل لجان الإمداد والإسكان المتهمة بتمويل الشبكات الأمنية.
الرسالة الاستراتيجية هنا مزدوجة:
1. إظهار هشاشة القبضة الأمنية رغم تشديد الإجراءات.
2. ربط الإعلان السياسي بتحرك ميداني يثبت وجود قاعدة تنظيمية قادرة على الفعل.
رابعاً: استهداف الرموز وبناء حرب نفسية
إحراق صور خميني وخامنئي ولافتات النظام في عدة مدن، إضافة إلى عمليات العرض الضوئي التي حملت شعارات المرحلة، يمثل انتقالاً إلى ما يمكن تسميته بـ حرب الرموز. فالنظام الإيراني يعتمد بشدة على الرمزية الثورية والدينية لتثبيت شرعيته. ضرب هذه الرموز يهدف إلى تفكيك الهيبة الأيديولوجية قبل إسقاط البنية السياسية . هذا النمط من العمليات يعكس فهماً عميقاً لطبيعة النظام :
فهو ليس مجرد جهاز أمني، بل منظومة شرعية قائمة على سردية دينية–ثورية. وبالتالي، فإن تقويض السردية يوازي في أهميته تقويض المؤسسة الأمنية.
خامساً: النظام بين القمع والتآكل
تأتي هذه التطورات في سياق داخلي يتسم بأزمات اقتصادية خانقة، وتصدعات اجتماعية متزايدة، وتراجع ثقة عامة في مؤسسات الحكم . في هذا السياق، يبدو النظام أمام خيارين أحلاهما مرّ:
إما تصعيد القمع بما يفاقم العزلة الداخلية والخارجية، أو تقديم تنازلات بنيوية تقوّض أسس حكمه. غير أن تاريخ الجمهورية الإسلامية يُظهر ميلاً دائماً نحو الخيار الأول. إلا أن تكرار هذا النمط في ظل بيئة داخلية متغيرة قد يحول القمع من أداة ردع إلى عامل تسريع للانهيار.
سادساً: نحو مرحلة انتقالية مفتوحة
إعلان الحكومة المؤقتة لا يعني أن ميزان القوى قد حُسم، لكنه يشير إلى أن الصراع دخل مرحلة جديدة عنوانها التنافس على الشرعية والسيادة. فإذا نجحت المعارضة في تثبيت معادلة بديل جاهز مقابل نظام مأزوم
فإنها ستنتقل من موقع المعارضة إلى موقع الشريك المحتمل في أي ترتيبات انتقالية مستقبلية. في المحصلة، ما يجري ليس مجرد تصعيد أمني أو بيان سياسي، بل إعادة هندسة للمشهد الإيراني. فإما أن يتمكن النظام من احتواء هذه الدينامية عبر القمع الشامل، وهو رهان محفوف بالمخاطر، أو أن تتراكم العوامل الداخلية والتنظيمية لتفتح الباب أمام مرحلة انتقالية تقودها قوى تعلن بوضوح أنها مستعدة للحكم. وبين هذين المسارين، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الإيرانيين أنفسهم على تحويل لحظة الإعلان إلى مسار تغيير مستدام، ينقل إيران من دولة أيديولوجية مغلقة إلى جمهورية ديمقراطية تستعيد سيادتها من قبضة الملالي.


