قرار برلماني يضع نظام طهران أمام اختبار المحاسبة الدولية:
أوروبا تكسر دائرة الإفلات الإيراني من العقاب
قرار البرلمان الأوروبي يدين القمع في إيران ويفتح الباب أمام مسار دولي لمساءلة النظام وفرض عقوبات أوسع على بنيته الأمنية.
في تطور يعكس تحولًا نوعيًّا في المقاربة الأوروبية تجاه إيران، تبنّى البرلمان الأوروبي قرارًا بأغلبية ساحقة (524 صوتًا مؤيدًا مقابل 3 معارضين و41 امتناعًا) يدين ما وصفه بـ “القمع الممنهج” الذي يمارسه النظام الإيراني. هذا التصويت الكاسح لا يحمل دلالة رمزية فحسب، بل يشير إلى إجماع سياسي عابر للأحزاب داخل المؤسسة التشريعية الأوروبية على أن سلوك طهران تجاوز حدود القلق الدبلوماسي إلى مستوى يستدعي أدوات مساءلة دولية.
القرار يأتي في سياق تراكم تقارير حقوقية، ووثائق وشهادات نشرتها مواقع المعارضة الإيرانية، التي دعت إلى تدويل ملف الانتهاكات وربط أي انخراط دولي مع طهران بشرط احترام حقوق الإنسان. الجديد في هذه الخطوة ليس مضمون الإدانة فحسب، بل وضوح اللغة القانونية والسياسية المستخدمة، والتي تقترب من توصيف نمط حكم قائم على القمع المؤسسي.
لم يقتصر القرار على التنديد العام، بل عدّد صراحةً أشكال الانتهاكات: الاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري، والتعذيب، والقتل خارج نطاق القضاء، والإعدامات، والظروف اللاإنسانية في السجون. هذا التوصيف الشامل يخرج الملف من نطاق الحوادث الفردية إلى مستوى سياسة دولة.
من منظور إستراتيجي، يفهم القرار على أنه رسالة أوروبية مفادها أن القمع في إيران لم يعد يقرأ باعتباره رد فعل أمنيًّا ظرفيًّا، بل باعتباره آلية حكم ممنهجة تهدف إلى ردع أي ديناميكية احتجاجية. وبذلك يصبح التعامل مع طهران مسألة تتعلق بطبيعة النظام ذاته، لا بسلوكيات يمكن تعديلها عبر الحوار التقليدي.
الأكثر أهمية في القرار هو الدعوة الصريحة إلى توثيق مستقل عبر آليات الأمم المتحدة، وحث مجلس الأمن على إحالة الملف الإيراني إلى المحكمة الجنائية الدولية. هذا البعد القانوني يمثل تصعيدًا نوعيًّا، إذ ينقل النقاش من إطار الإدانة السياسية إلى مسار المساءلة الجنائية الدولية.
صحيح أن إحالة كهذه تصطدم بتعقيدات جيوسياسية، خصوصًا في مجلس الأمن، إلا أن إدراجها رسميًّا في قرار أوروبي واسع الدعم يخلق سابقة معيارية ويعزز شرعية أي مسار قانوني مستقبلي. كما يبعث برسالة مباشرة للنخبة الحاكمة في طهران بأن مبدأ الإفلات من العقاب لم يعد مضمونًا.
دعا القرار إلى توسيع العقوبات لتشمل تجميد الأصول وحظر السفر بحق جميع المسؤولين المتورطين في الانتهاكات، مع تسمية فئات محددة، أبرزها أعضاء الحرس الثوري، والقادة السياسيون، والمدعون العامون، ومسؤولو السجون والأجهزة الأمنية. هذا التحديد يعكس فهمًا أوروبيًّا بأن القمع ليس عملًا هامشيًّا، بل نتاج شبكة مؤسساتية متكاملة.
استهداف الحرس الثوري تحديدًا يحمل دلالة إستراتيجية، إذ يعد العمود الفقري للأمن الداخلي ومشاريع النفوذ الإقليمي. توسيع العقوبات عليه يعني عمليًّا محاولة تقويض قدرته على العمل المالي واللوجستي خارج الحدود. كما أنه ينسجم مع مطالب متكررة للمعارضة الإيرانية بإدراج الحرس ككيان إرهابي ومساءلة قياداته دوليًّا.
القرار يعكس تراجع الرهان الأوروبي التقليدي عن سياسة “الانخراط المشروط” دون أدوات ضغط فعالة. فبعد سنوات من تغليب الملف النووي والاعتبارات الاقتصادية، يبدو أن كلفة التغاضي عن الانتهاكات الداخلية باتت أعلى سياسيًّا وأخلاقيًّا.
ومع ذلك تبقى فعالية القرار رهنًا بمدى ترجمة توصياته إلى سياسات تنفيذية من قبل المجلس الأوروبي والدول الأعضاء. فالسوابق تشير إلى فجوة أحيانًا بين مواقف البرلمان وقرارات الحكومات. لكن حجم الإجماع الحالي يرفع كلفة التراجع ويحدّ من مساحة المناورة السياسية.
يمثل قرار البرلمان الأوروبي محطة مفصلية في مسار التعامل مع النظام الإيراني. فهو يضع طهران أمام اختبار مزدوج: داخليًّا حيث يتزايد الضغط الشعبي وفق ما تنقله تقارير المعارضة، وخارجيًّا حيث تتبلور بيئة قانونية وسياسية أقل تسامحًا مع القمع.
غير أن التحول الحقيقي لن يقاس بنبرة البيانات، بل بقدرة أوروبا على تحويل هذا الإجماع إلى آليات محاسبة ملموسة. فإذا نجحت في ذلك ستكون قد ساهمت في كسر حلقة الإفلات التي أحاطت بالنظام لعقود. أما إذا بقي القرار في إطار الرمزية السياسية فسيمنح طهران فرصة جديدة للمراهنة على الزمن.
في الحالتين يبدو أن مرحلة الغموض الأوروبي قد انتهت، وأن العلاقة مع نظام الملالي دخلت طورًا أكثر صراحةً، حيث تطرح مسألة الشرعية السياسية والقانونية للنظام على الطاولة الدولية دون مواربة.


