تصعيد نوعي في الداخل الإيراني : من تكتيكات الاحتجاج إلى عمليات الاستنزاف المنظّم
عبدالرزاق الزرزور
محامي وناشط حقوقي سوري
مقدمة : انتقال نوعي في ديناميات الصراع الداخلي
تشير العملية التي نفّذتها إحدى وحدات المقاومة التابعة لـمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية في مدينة الأهواز، يوم 16 مارس، إلى تحوّل ملموس في طبيعة المواجهة بين النظام الإيراني ومعارضيه. فالهجوم المسلح على مبنى محافظة خوزستان لا يمكن قراءته كحادثة معزولة، بل كجزء من استراتيجية تصعيد تدريجي تستهدف تقويض أدوات السيطرة الأمنية للنظام، خصوصًا في الأطراف الجغرافية ذات الحساسية القومية والاجتماعية.
الأهواز كبيئة عمليات: دلالات اختيار الهدف
يحمل اختيار مدينة الأهواز دلالات استراتيجية متعددة. فالمنطقة تمثل مركزًا اقتصاديًا حيويًا بسبب مواردها النفطية، وفي الوقت ذاته تُعدّ إحدى أكثر المناطق هشاشة من حيث التوترات الاجتماعية والقومية. استهداف مبنى المحافظة يرمز إلى تحدٍ مباشر لسلطة الدولة المركزية، ويعكس قدرة وحدات المقاومة على العمل داخل بيئات مشددة أمنيًا. كما أن تزامن الهجوم مع شعارات داعمة لـمريم رجوي و”جيش التحرير الوطني الإيراني” يعزز البعد السياسي للعملية، ويُظهر أنها ليست مجرد رد فعل، بل رسالة منظمة ضمن إطار قيادي واضح .
البعد الانتقامي والسياسي: السجون كشرارة للتصعيد
تُقدَّم العملية كاستجابة مباشرة لما وُصف بـالتعذيب الممنهج في سجني شيبان وسبيدار، خصوصًا بحق السجناء المحكومين بالإعدام. هذا الربط بين القمع داخل السجون والتصعيد في الشارع يعكس استراتيجية ربط الملفات الحقوقية بالفعل الميداني، وهو نمط يتكرر في حركات التمرد منخفضة الشدة . بمعنى آخر، تسعى المعارضة إلى تحويل الانتهاكات إلى محفّز تعبوي، بما يعزز شرعيتها أمام جمهورها، ويضع النظام في موقف دفاعي على المستويين الداخلي والدولي.
سلسلة العمليات المتزامنة: من الاحتجاج إلى الاستنزاف
ما يلفت النظر ليس العملية في حد ذاتها، بل تزامنها مع موجة عمليات منسقة في عدة مدن، منها مشهد، وتبريز، وأصفهان، وطهران. هذه العمليات، التي شملت إحراق مراكز الباسيج واستهداف منشآت أمنية، تشير إلى نمط عملياتي قائم على اللامركزية والتكثيف الجغرافي . الهدف هنا يبدو واضحًا : تشتيت القدرات الأمنية للنظام عبر فتح جبهات متعددة منخفضة التكلفة، بما يؤدي إلى إنهاك تدريجي للبنية القمعية دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة واسعة.
استهداف الباسيج: ضرب العمود الفقري للقمع
تمثل قواعد الباسيج، التابعة لـ الحرس الثوري الإيراني، العنصر الأكثر فعالية في السيطرة اليومية على الشارع. فهي ليست مجرد منشآت عسكرية، بل شبكة ميدانية للرقابة والقمع والتعبئة الأيديولوجية. لذلك، فإن إحراق هذه القواعد – وخاصة التدمير الكامل لبعضها في تبريز – يُعدّ استهدافًا مباشرًا للبنية التشغيلية للنظام . هذا النوع من العمليات لا يحقق فقط خسائر مادية، بل يضرب هيبة الدولة وقدرتها على الردع، وهو عنصر حاسم في أنظمة تعتمد على الخوف كأداة حكم.
الإطار السياسي: إعلان الحكومة المؤقتة كرافعة تعبئة
تأتي هذه العمليات في سياق إعلان “حكومة مؤقتة” من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وهو تطور يحمل دلالات سياسية مهمة. إذ يشير إلى محاولة الانتقال من معارضة احتجاجية إلى مشروع بديل للحكم، يستند إلى ما يُعرف بـ “خطة النقاط العشر” التي طرحتها مريم رجوي. هذا التحول يمنح العمليات الميدانية غطاءً سياسياً واستراتيجياً، ويُعيد تعريفها كجزء من مشروع تغيير نظامي، وليس مجرد أعمال احتجاجية متفرقة.
تآكل الردع : تحديات النظام الإيراني
تُظهر هذه التطورات أن النظام الإيراني يواجه تحديًا مزدوجًا: من جهة، تصاعد العمليات الميدانية، ومن جهة أخرى، تآكل فعالية أدوات الردع التقليدية. الاعتماد المفرط على القمع قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يغذي دوامة من التصعيد يصعب احتواؤها.
كما أن انتشار العمليات في مدن متعددة يشير إلى فجوات في السيطرة الأمنية، أو على الأقل إلى ارتفاع كلفة الحفاظ عليها.
الخاتمة: نحو مرحلة جديدة من الصراع منخفض الشدة
في المحصلة، تعكس عملية الأهواز وما رافقها من تحركات انتقال الصراع في إيران إلى مرحلة جديدة، تتسم بـ الاستنزاف المنظم، واللامركزية، والتكامل بين العمل السياسي والميداني. هذا النمط لا يهدد النظام بانهيار فوري، لكنه يضعه أمام مسار طويل من التآكل التدريجي، حيث تصبح القدرة على الاستمرار – وليس الانتصار- هي التحدي الأساسي. وفي ظل غياب حلول سياسية شاملة، يبدو أن ديناميات التصعيد مرشحة للاستمرار، بل وربما للتوسع في المدى المنظور.


