الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

وحدات المقاومة تغيّر المعادلة: هل بدأ فصل النهاية في إيران؟ في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، لم تعد أزمة الشرق الأوسط مجرد صراع نفوذ أو توازنات دولية، بل باتت، وفق قراءة متزايدة في الأوساط السياسية،

وحدات المقاومة تغيّر المعادلة: هل بدأ فصل النهاية في إيران؟

وحدات المقاومة تغيّر المعادلة: هل بدأ فصل النهاية في إيران؟

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، لم تعد أزمة الشرق الأوسط مجرد صراع نفوذ أو توازنات دولية، بل باتت، وفق قراءة متزايدة في الأوساط السياسية، نتيجة مباشرة لعقود من التغاضي عن جوهر المشكلة: نظام قائم على القمع والتوسع والحروب. وفي هذا السياق، جاءت الإحاطة التي قدّمها محمد محدثين في واشنطن لتعيد طرح السؤال الحاسم: هل آن أوان إنهاء سياسة الاسترضاء وفتح الطريق أمام التغيير الحقيقي في إيران؟

لم تكن الإحاطة التي استضافها مكتب المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في الولايات المتحدة مجرد عرض سياسي تقليدي، بل شكلت تشخيصًا عميقًا لجذور الأزمة التي تعصف بإيران والمنطقة. فقد وضعت بوضوح مسؤوليتين رئيسيتين وراء هذا الانفجار المستمر: سلوك النظام الإيراني القائم على القمع والتصدير العدواني للأزمات، وسياسة الاسترضاء الغربية التي منحت هذا النظام، على مدى أكثر من أربعة عقود، الوقت والغطاء للاستمرار والتوسع.

هذه المعادلة، كما أكد محدثين، لم تعد قابلة للاستمرار. فالنظام الذي تمّت محاولات “ترويضه” عبر التفاوض والتنازلات، أثبت أنه غير قابل للإصلاح، وأن التعامل معه يشبه “تربية أفعى في الكُم” — استعارة تختصر تجربة طويلة من الفشل الدولي في احتواء نظام لا يرى في التهدئة سوى فرصة لتعزيز أدوات القمع والتوسع.

أحد أبرز ما كشفته الإحاطة هو انهيار الرهانات التقليدية التي طالما روّجت لها بعض الدوائر السياسية والإعلامية: لا انهيار تلقائي، ولا إصلاح تدريجي، ولا تغيير عبر وسائل التواصل أو المنصات الإعلامية.

الحقيقة التي باتت تفرض نفسها، بحسب هذا الطرح، أن إسقاط نظام بهذا المستوى من العنف والتنظيم لا يمكن أن يتم إلا عبر قوة منظمة، متجذرة داخل المجتمع، وقادرة على المواجهة الميدانية.

وهنا يبرز العامل الذي حاولت كثير من السياسات تجاهله: وجود شبكة منظمة داخل إيران، متمثلة في وحدات المقاومة، التي لم تعد مجرد حالة احتجاجية، بل تحولت إلى فاعل ميداني نشط يمتد في مختلف المحافظات، ويقود الاحتجاجات، وينفذ عمليات نوعية، رغم أعلى مستويات القمع.

ما يجعل المرحلة الحالية مختلفة هو انتقال الحراك من مجرد موجات احتجاج إلى نمط أكثر تنظيماً وتأثيراً. فالأرقام التي تم عرضها — من آلاف العمليات الميدانية إلى دور محوري في انتفاضة يناير — تعكس تصاعدًا نوعيًا في مستوى التحدي داخل البلاد.

ولعل العملية التي استهدفت مواقع حساسة في قلب طهران شكّلت، وفق هذا التقييم، نقطة تحول مفصلية، إذ حملت رسالة واضحة: أن النظام لم يعد محصنًا حتى في أكثر مراكزه أمنًا.

هذه التطورات لا تعكس فقط تصعيدًا ميدانيًا، بل تشير إلى خلل متزايد في توازن القوة داخل البلاد، حيث يتقاطع الغضب الشعبي مع عمل منظم يمتلك القدرة على الاستمرار والتوسع.

في المقابل، يبدو النظام أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فمحاولات إعادة إنتاج السلطة عبر أشكال أقرب إلى “الوراثة السياسية” تعكس أزمة عميقة في بنية الحكم، وتضييقًا مستمرًا في قاعدته الاجتماعية والسياسية.

ومع تزايد التحذيرات داخل أوساطه من تكرار سيناريوهات سابقة، يصبح واضحًا أن القلق لم يعد مجرد تقدير خارجي، بل هاجس داخلي متصاعد.

ولمواجهة ذلك، يلجأ النظام إلى أدواته التقليدية: القمع، إطلاق النار، قطع الإنترنت، ونشر الخوف. لكنها أدوات، وإن نجحت مؤقتًا، لم تعد قادرة على احتواء حالة الغليان المتراكمة في المجتمع.

في خضم هذا المشهد، يبرز موقف الشارع الإيراني أكثر وضوحًا: رفض مزدوج لكل من النظام الحالي ونظام الشاه السابق. وهو ما يعكس تحوّلًا عميقًا في الوعي السياسي، حيث لم يعد الصراع بين بديلين سلطويين، بل بين الاستبداد والديمقراطية.

هذا التحول يفتح المجال أمام طرح البديل الذي تم التأكيد عليه في الإحاطة: مرحلة انتقالية تقود إلى نقل السلطة للشعب خلال فترة زمنية محددة، وفق رؤية سياسية منظمة تحظى بدعم دولي متزايد.

الرسالة الأساسية التي حملتها هذه الإحاطة يمكن اختصارها في نقطة واحدة: أن استمرار السياسة الحالية لم يعد خيارًا ممكنًا.

فالمطلوب، وفق هذا الطرح، ليس تدخلاً عسكريًا ولا دعماً مالياً، بل تغيير في المقاربة الدولية — من سياسة الاحتواء والاسترضاء إلى الاعتراف بحق الشعب الإيراني في التغيير، ودعم مساره السياسي.

إيران اليوم تقف عند مفترق طرق تاريخي. فإما استمرار حلقة القمع والاسترضاء التي أثبتت فشلها، أو الانتقال إلى مرحلة جديدة تعترف بواقع مختلف يتشكل داخل البلاد.

وما بين هذين الخيارين، يبدو أن الزمن لم يعد يعمل لصالح النظام، بل لصالح لحظة تتقاطع فيها إرادة الداخل مع تبدّل المواقف في الخارج.

إنها، بكل المقاييس، لحظة الحسم.