إيران بين «مضيق هرمز» و«مضيق الشارع»… النظام يهرب إلى الحرب لمواجهة انتفاضة الداخل
في لحظة سياسية شديدة الحساسية، تتكشّف ملامح مرحلة جديدة في سلوك النظام الإيراني، عنوانها الأبرز: الهروب إلى الخارج لتفادي الانفجار في الداخل. فمع تصاعد الأزمات البنيوية وتفاقم الغضب الشعبي، لم يعد النظام يرى الخطر الحقيقي في الضغوط الدولية أو التوترات الإقليمية، بل بات يدرك أن التهديد الوجودي يكمن في شوارع إيران نفسها.
تعيين الحرسِيّ محمد باقر ذو القدر أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي ليس مجرد خطوة إدارية، بل هو رسالة سياسية واضحة مفادها أن النظام اختار تشديد القبضة الأمنية والعسكرية في مواجهة شعبه. فالرجل الذي قضى عقودًا في صلب الأجهزة القمعية، من العمليات الخارجية إلى إدارة القمع الداخلي، يمثل نموذجًا صارخًا للعقيدة الأمنية التي تحكم النظام: البقاء بأي ثمن.
تصريح أحد منظّري النظام بأن «الأهم من مضيق هرمز هو مضيق الشارع» يلخّص بوضوح جوهر الأزمة. فالنظام الذي طالما لوّح بإغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط دولية، بات اليوم يخشى «مضيق الشارع»؛ أي تلك المساحات التي تتحول إلى ساحات احتجاج وغضب شعبي متراكم، تهدّد بنيته من الداخل.
ولذلك، فإن اللجوء إلى التصعيد الخارجي ليس إلا محاولة لصرف الأنظار عن الداخل المشتعل. إشعال الأزمات الإقليمية، والتلويح بالحرب، وتكثيف الخطاب العدائي، كلها أدوات قديمة يعيد النظام استخدامها في كل مرة يجد نفسه فيها أمام مأزق داخلي عميق. لكن التجربة أثبتت أن هذه السياسة لم تعد قادرة على احتواء التناقضات المتفاقمة داخل المجتمع الإيراني.
إن سجل ذو القدر، الحافل بالانخراط في مشاريع القمع والتدخلات الخارجية، يعكس طبيعة المرحلة المقبلة: مزيد من العنف، مزيد من التضييق، ومزيد من الاعتماد على الحلول الأمنية. غير أن هذا المسار لا يعكس قوة النظام، بل هشاشته؛ فالنظام الواثق من نفسه لا يحتاج إلى استدعاء أكثر أدواته تشددًا لمواجهة شعبه.
إن ما يجري اليوم يؤكد حقيقة أساسية: النظام الإيراني يعيش حالة انسداد تاريخي، حيث لم يعد قادرًا على تقديم أي أفق سياسي أو اقتصادي، ولم يعد يملك سوى القمع والحروب كوسائل للبقاء. غير أن «مضيق الشارع» الذي يخشاه، يتّسع يومًا بعد يوم، مع اتساع رقعة الاحتجاجات وتراكم السخط الشعبي.
وفي النهاية، قد ينجح النظام مؤقتًا في تأجيل الانفجار، لكنه لن يستطيع إلغاء أسبابه. فحين تتحول شوارع المدن إلى مقياس حقيقي لمستقبل السلطة، يصبح واضحًا أن المعركة الحاسمة لن تُحسم في مياه الخليج، بل في قلب إيران نفسها.


