الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

استراتيجية الاستنزاف بين الضغوط الدولية وحسابات الجوار.. نحو مقاربة إقليمية جديدة.. عبدالرزاق الزرزور محامي وناشط حقوقي سوري لم يعد الصراع بين طهران والمجتمع الدولي صراعاً على ملفات تقنية فحسب؛ بل تحول إلى حرب إرادات طويلة الأمد، وبينما يستمر النظام الإيراني في استنزاف الموارد الغربية عبر وكلاء أو عمليات تخريبية تطرح التساؤلات نفسها بحدة : هل سيظل العالم رهينة لهذه الاستراتيجية القائمة على المد والجذر بين نظام الملالي والغرب؟ كذلك ما هو دور الجوار الإقليمي في كسر هذا الجمود؟

استراتيجية الاستنزاف بين الضغوط الدولية وحسابات الجوار.. نحو مقاربة إقليمية جديدة..

استراتيجية الاستنزاف بين الضغوط الدولية وحسابات الجوار.. نحو مقاربة إقليمية جديدة..

عبدالرزاق الزرزور 

محامي وناشط حقوقي سوري

لم يعد الصراع بين طهران والمجتمع الدولي صراعاً على ملفات تقنية فحسب؛ بل تحول إلى حرب إرادات طويلة الأمد، وبينما يستمر النظام الإيراني في استنزاف الموارد الغربية عبر وكلاء أو عمليات تخريبية تطرح التساؤلات نفسها بحدة : 

هل سيظل العالم رهينة لهذه الاستراتيجية القائمة على المد والجذر بين نظام الملالي والغرب؟ كذلك ما هو دور الجوار الإقليمي في كسر هذا الجمود؟

المعضلة الدولية.. بين كلفة الاحتواء ومخاطر الانهيار

إن احتمال تغيير المجتمع الدولي لأولوياته ليس مجرد رهان على التحولات السياسية بل هو استجابة للضغط الواقعي؛ فالسياسة الغربية لا سيما الأمريكية قد انتهجت حتى الآن مسار “إدارة الصراع” بدلاً من “حسمه” خشية ما يسمونه عبثاً بالفراغ الاستراتيجي الذي قد يعقب أي انهيار مفاجئ، وما هذا وتلك التبريرات الغربية أو الأمريكية سوى سعيهم باتجاه تهميش القوى الوطنية الإيرانية واستمراراً ممنهجاً لإبقاء الوضع على ما هو عليه في إيران والمنطقة في إطار خلط الأوراق وخلق الأزمات والانخراط في ما يسمونه بمشاريع الحلول، ولأجل ذلك يمكن التغاضي عن مطالب الشعب الإيراني وقواه الوطنية والدخول في مسار المهادنة والمساومة.. وإقليمياً لا يخدم أي استقرارٍ إقليمي مخططات ومصالح الغرب، ومع ذلك فإن استمرار حالة الاستنزاف يُغير تدريجياً من حسابات الجدوى؛ فعندما تصبح تكلفة الردع المالي والعسكري تتجاوز بكثير عوائد الدبلوماسية العقيمة قد يصحو الغرب ويضطر صناع القرار في القوى الكبرى إلى إعادة تقييم مساراتهم وخياراتهم. إن تحول حقوق الإنسان والتغيير الديمقراطي في إيران من بند “أخلاقي” إلى “ركيزة أمنية” لن يحدث بقرار سياسي مفاجئ بل سيفرض نفسه كحتمية إذا أدرك العالم أن بقاء النظام وفق عقيدته الحالية هو التهديد الأكبر للاستقرار العالمي.. عندها ستنتقل البوصلة الدولية من التمسك بـ “الاعتدال المزعوم” إلى دعم المقاومة المنظمة كبديل سياسي قابل للاستمرار.

مسارات القوى الإقليمية.. حذرٌ استراتيجي أم تحول قادم؟

على صعيد الجوار تتخذ القوى الإقليمية موقفاً يجمع بين الحذر الاستراتيجي والبحث عن توازنات جديدة؛ فالدول المجاورة تدرك أن النظام في طهران في لحظات ضعفه أو ضغطه قائمٌ في كيانه على “تصدير أزماته” عبر الحدود لخلخلة استقرار الجيران . هذا الحذر ليس ضعفاً بل هو انعكاس لخوف مشروع من ارتدادات التغيير المفاجئ حيث يخشى الجيران على حد ظنهم من نشوء “فوضى منظمة” أو موجات لجوء وتطرف عابر للحدود في حال انهيار السلطة المركزية بشكل غير مدروس علماً بأن البعض أو الأغلبية تتغاضى وتتجاهل منذ زمن بعيد وبشكل لا مبرر له وجود خيارات مدروسة وقابلة للنجاح وملبية للمطالب الإقليمية، وقد خدم هكذا نهج بقاء نظام الملالي واستمرار معاناة الشعب الإيراني وشعوب ودول المنطقة حتى وصل الحال إلى ما نحن عليه اليوم، واليوم تشهد المنطقة تحولاً متأخراً في القناعات؛ فقد أثبتت التجربة أن التهدئة المؤقتة مع طهران لم توقف مشاريع التمدد الإقليمي.. لذلك نرى مؤشرات على تحول في الدور الإقليمي يتجلى في:

البحث عن بدائل: حيث بدأت القوى الإقليمية تدرك أن الاستقرار الحقيقي يتطلب إيران “طبيعية” تحترم السيادة الوطنية ومبادئ حسن الجوار.

التنسيق الموازي: هناك اتجاه متنامٍ نحو بناء تكتلات أمنية إقليمية ترفع كلفة التخريب الإيراني مما يجعل استراتيجية “الاستنزاف” أقل فعالية.

الضغط نحو التغيير الديمقراطي: على الرغم من النهج الحذر القائم حتى اليوم بدت هناك قناعات في طريقها إلى التبلور وقد يتمخض عنها ما هو مطلوب لإنقاذ المنطقة حيث بات الكثيرين على قناعة بأن أي تغيير ديمقراطي يقوده الشعب الإيراني سيكون الضمانة الوحيدة لأمن الجوار الأمر الذي يدفع هذه القوى إلى تقليل مراهناتها على استمرارية النظام الحالي.

التقاء المصالح الدولية والإقليمية

إن التغيير في الأولويات الدولية والإقليمية تجاه إيران يسير في خط متوازٍ.. فالمجتمع الدولي بحاجة إلى “بديل منظّم” لتفادي الفوضى، والقوى الإقليمية بحاجة إلى “جارٍ مسؤول” لضمان أمنها، وإن المقاومة المنظمة التي تقدم بديلاً ديمقراطياً واضحاً قد بدأت تملأ الفراغ الذي تركه غياب الرؤية الدولية الموحدة.. وإذا ما استمرت حالة الاستنزاف في استهلاك مقدرات القوى الكبرى والإقليمية على حد سواء فإننا سنشهد بلا شك اصطفافاً استراتيجياً جديداً.. هذا الاصطفاف حال نضجه لن يكتفي بمحاصرة النظام بل سيعمل على توفير الظروف السياسية اللازمة لتمكين إرادة الشعب الإيراني من تقرير مصيره كسبيل وحيد لإنهاء دورة الاستنزاف التي أثقلت كاهل المنطقة والعالم.