جدلية البقاء والردع الاستئصالي..
د. سامي خاطر
أكاديمي وأستاذ جامعي
قراءة في العقيدة الأمنية الإيرانية وتحولات “القضاء الميداني”
تمر الدولة الإيرانية بمرحلة تتسم بإعادة تعريف العقيدة الأمنية لمواجهة التحديات الداخلية حيث انتقلت السلطة من استراتيجية “الاحتواء الأمني” إلى ما يمكن تسميته بـ “الردع الاستئصالي”.، وتأتي التصريحات الأخيرة الصادرة عن محمد باقر محمدي لائيني ممثل الولي الفقيه في مدينة ساري لتكشف عن ملامح هذا التحول الذي يضع المعارضة المنظمة كهدف استراتيجي أول في قوائم التصفية متجاوزاً بذلك خطاب التهديدات الخارجية التقليدي.
عقيدة “اضرب بقوة”.. مأسسة العنف القضائي
إن استعارة لائيني لشعار “اضرب بقوة” الخاص بحرس النظام الإيراني وإسقاطه على المنظومة القضائية تمثل تحولاً بنيوياً في وظيفة القضاء؛ إذ لم يعد يُنظر إليه كأداة لإنفاذ القانون بل كذراع عسكرية مكملة للعمليات الميدانية . إن انتقاد “بطء الإعدامات” ووصفها بأنها تسير بـ “القطارة” يعكس ضغطاً سياسياً من صقور النظام لتحويل المحاكمات السياسية إلى محاكمات ميدانية سريعة تهدف إلى إحداث صدمة ترهيبية شاملة في الأوساط الشبابية والشبكات التنظيمية.
استهداف “وحدات المقاومة”.. ذعرٌ من البديل المنظم
يمثل تنفيذ حكم الإعدام بحق ثمانية من كوادر وحدات المقاومة التابعة لـ منظمة مجاهدي خلق الإيرانية نقطة ارتكاز في فهم أولويات النظام الحالية.. فالاستراتيجية الأمنية الإيرانية باتت تميز بوضوح بين “الاحتجاج العفوي” و”الفعل التنظيمي”؛ حيث ترى في الأخير تهديداً وجودياً يمتلك القدرة على تحويل الاضطرابات الاجتماعية إلى حراك مؤسسي قادر على إدارة المرحلة الانتقالية.. هذا الذعر من “التنظيم” هو ما يفسر تسريع وتيرة الإعدامات بحق هذه الوحدات تحديداً في محاولة لقطع خطوط الاتصال بين القيادات التنظيمية والقواعد الميدانية الثائرة.
“ستار الدخان”: التوظيف الاستراتيجي للأزمات الإقليمية
تاريخياً.. برعت طهران في توظيف الأزمات الخارجية لتمرير أجندات تصفية داخلية، وفي المرحلة الراهنة يعمل غبار الحرب والتوترات الإقليمية كغطاء سياسي ودبلوماسي يسمح للنظام بتنفيذ موجات إعدام يومية بعيداً عن الرصد الدولي المركز. إن هذه الاستراتيجية تعتمد على فرضية أن انشغال القوى الدولية بملفات الأمن الإقليمي سيقلل من تكلفة الضغوط الحقوقية مما يمنح أجهزة القمع “نافذة زمنية” لتصفية الحسابات مع الشباب الثائر الذين زلزلوا أركان السلطة في الانتفاضات الأخيرة.
التجفيف المالي.. عقلية “المافيا” في إدارة القمع
لم تقتصر دعوات ممثل الولي الفقيه على سلب الأرواح بل امتدت لتشمل المصادرة المالية وتجريد المعارضين من ممتلكاتهم.. هذا التوجه يعكس رغبة في تطبيق عقيدة “التجفيف”؛ حيث يتم تدمير الحواضن الاقتصادية لعائلات المعتقلين والنشطاء عبر الفضاء الإلكتروني . إن تحول النظام نحو النهب المالي المنظم تحت مسمى العقوبات القضائية يؤكد استنزاف موارد الدولة الموجهة لآلة القمع ومحاولة تمويل هذه الأجهزة من أموال الضحايا أنفسهم في سلوك يبتعد عن مفاهيم الدولة ويقترب من عقلية المافيا الحاكمة.
سيكولوجية الاحتضار وانسداد الأفق
في القراءة الاستراتيجية العميقة لا تعبر المطالبة بزيادة وتيرة المشانق عن “اقتدار” بل عن انسداد في خيارات الحل السياسي.. وإن لجوء السلطة إلى “القتل الجماعي” كأداة وحيدة للحكم يثبت فشل الأيديولوجيا الرسمية في احتواء الأجيال الجديدة ، ورغم وحشية الإعدامات فإن التاريخ السياسي يؤكد أن المقاومة المنظمة التي تمتلك جذوراً اجتماعية قادرة على تحويل دماء ضحاياها إلى وقود للاستمرارية مما يجعل من حبال المشانق وسيلة لتعجيل النهاية الحتمية لـ نظام الملالي بدلاً من حمايته.
في الختام.. يمكن القول بأن إيران الملالي اليوم تقف أمام مواجهة صفرية؛ فإما استمرار الاستبداد الكهنوتي عبر التصفية الجسدية الشاملة أو نجاح الإرادة الشعبية المدعومة بـ شبكات تنظيمية متماسكة في كسر حاجز الرعب، وتظل الدعوات الهستيرية لتكثيف الإعدامات هي الدليل الأبرز على أن النظام يدرك تماماً أن عدوه الحقيقي يكمن في شوارع طهران وأصفهان وساري وليس في العواصم البعيدة . ما يحدث الآن هو محاولة لتطبيق “نموذج 1988” بصورة مجزأة ومستمرة لتفادي ردود الفعل الدولية الكبرى دفعة واحدة.. ويدرك النظام أن “وحدات المقاومة” هي الكيان الثوري القادر على إحداث أي تغيير مستقبلي.. لذا نرى هذا التركيز الأمني المكثف عليها وما تتعرض له من عمليات بطش وإعدام خير دليل على ذلك.

