الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

برميل بارود يوشك على الانفجار.. كيف كسر الإيرانيون حاجز الخوف في مواجهة آلة القمع؟ بعد مرور ما يقرب من عقد كامل على الانتفاضة الوطنية في أواخر عام 2017،

 برميل بارود يوشك على الانفجار.. كيف كسر الإيرانيون حاجز الخوف في مواجهة آلة القمع؟

 برميل بارود يوشك على الانفجار.. كيف كسر الإيرانيون حاجز الخوف في مواجهة آلة القمع؟

بعد مرور ما يقرب من عقد كامل على الانتفاضة الوطنية في أواخر عام 2017، والتي حطمت للمرة الأولى وهم الاستقرار السياسي في إيران، لا تزال الأزمات الجذرية التي دفعت الملايين إلى الشوارع بلا حل، بل وتفاقمت في كثير من الحالات.

لقد تضافرت عوامل الفقر، والتضخم، والفساد، والانهيار البيئي، ونقص المياه، والتمييز العرقي، والقمع المؤسسي، وتآكل الثقة الاجتماعية، لتخلق مجتمعاً يعيش تحت ضغط مستمر وتوتر دائم لا ينقطع.

وكل انتفاضة متتالية، بدءاً من عامي 2018 و2019، وصولاً إلى الانتفاضة الوطنية العارمة في عام 2022 والاضطرابات المستمرة التي تلتها، تركت ندوباً غائرة داخل النظام الحاكم، وعمقت من تجذر الراديكالية في قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني.

الاقتصاد الإيراني في غرفة الإنعاش: دمار البنية التحتية وسوق عمل يحتضر

يواجه الإنتاج في إيران انهياراً منهجياً نتيجة الدمار العسكري وسياسات حجب الإنترنت المتعمدة. ومع توقف المصانع الكبرى وعجزها عن دفع الرواتب، بات العمال يواجهون ظروفاً قاسية تشمل العمل القسري لإزالة الأنقاض، في ظل سلطة الولي الفقيه التي فضّلت مغامراتها الخارجية على حماية سبل عيش ملايين الإيرانيين.

انهيار هيكلي | مايو 2026 – تداعيات الحرب وسوء الإدارة على الاقتصاد المعيشي في إيران

انهيار الاقتصاد الإيراني ودمار الحرب

إن ما يميز المرحلة الحالية عن فترات الاضطرابات السابقة ليس فقط تواتر الاحتجاجات، بل التطبيع التام مع المواجهة المباشرة ضد الجهاز القمعي للدولة.

لقد أصبح أفراد الأمن، وعناصر ميليشيا الباسيج، وقادة الحرس، وعملاء الاستخبارات، والمسؤولون القضائيون، والملالي المرتبطون بآلة القمع، أهدافاً متزايدة لعمليات انتقامية عبر محافظات متعددة.

لم تعد هذه الحوادث مجرد اختراقات أمنية معزولة، بل تعكس، في مجملها، شرخاً اجتماعياً واسعاً لم تعد فيه قطاعات عريضة من المجتمع ترى أي شرعية لمؤسسات النظام.

ويصبح الوضع أشد انفجاراً عندما تتمكن حركة مقاومة منظمة من توجيه هذا الغضب المتراكم نحو مسار سياسي يهدف إلى إسقاط النظام المترنح.

وقد اعترفت السلطات الإيرانية مراراً وتكراراً بوجود شبكات منظمة وبتصاعد الهجمات الموجهة ضد قوات الدولة.

إن الاعتماد المتزايد على الإعدامات، والاعتقالات الجماعية، وحملات الترهيب، والتهديدات القضائية الاستثنائية لا يعكس قوة النظام، بل يفضح رعبه الكامن من أن الظروف المتفجرة التي أنتجت انتفاضات ما بعد 2017 قد دخلت مرحلة أكثر تنظيماً وخطورة.

وفي خطوة تعكس هذا الذعر، أعلن رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجئي، في 9 مايو 2026، أن أي شخص يتعاون بأي شكل مع العدو الغازي وقاتل الأطفال هو كاره لإيران وخائن للوطن، متوعداً بإجراءات قانونية ومراقبة استثنائية ضد كل مشاة العدو في ظل حالة تشبه الحرب.

وقبل ذلك، في 10 مارس 2026، أكد قائد قوات أمن الدولة، أحمد رضا رادان، على الجو الأمني المشحون بنشر قوات الشرطة والباسيج على مدار الساعة في نقاط التفتيش، محذراً من اتخاذ إجراءات حاسمة ضد أي اضطرابات محتملة.

وجاءت الاعترافات الأكثر صدمة في 26 يناير 2026، عندما أقر رئيس لجنة الأمن القومي في برلمان النظام، إبراهيم عزيزي، بأن الاحتجاجات تصاعدت إلى المستوى الرابع الذي يتضمن عملاً مسلحاً من قبل المتظاهرين، مما أسفر عن سقوط أكثر من 3000 قتيل.

وفي السياق ذاته، استشهد إمام صلاة الجمعة في طهران،الملا أحمد خاتمي، بوقوع 2427 قتيلاً في صفوف قوات النظام. كما اعترف متحدث باسم النظام في 19 يناير 2026 بوقوع آلاف القتلى والجرحى بين صفوف الباسيج والشرطة نتيجة المواجهات مع الشباب المتمردين.

ووفقاً للتقارير الصادرة عن وسائل إعلام النظام والمصادر الرسمية، وقع ما لا يقل عن 50 حادثة منفصلة بين عامي 2022 و2026، شملت هجمات واشتباكات مسلحة وكمائن وعمليات إطلاق نار ومواجهات عند نقاط التفتيش.

وقد استهدفت هذه العمليات أفراداً من الحرس والباسيج والشرطة والمخابرات وحرس الحدود والقضاء في جميع أنحاء إيران، وتركزت بشكل خاص في سيستان وبلوشستان، وامتدت إلى كردستان وكرمانشاه وأصفهان وفارس ومازندران وطهران وهرمزغان وكرمان.

لقد ألحقت انتفاضة 2022 خسائر غير مسبوقة بقوات أمن النظام الإيراني، كاشفة عن حدود قدرات آلة القمع التي يديرها الولي الفقیة.

ففي اليوم التاسع عشر من الاحتجاجات، اعترف قائد الشرطة حسين أشتري علناً بإدخال 1800 عنصر من قوات الأمن إلى المستشفيات، بمعدل 90 فرداً يومياً، إثر الهجمات المضادة المنظمة التي شنها الشباب الثائر.

وبحلول نهاية تلك الموجة التي استمرت ثلاثة أشهر، ارتفعت الحصيلة بشكل دراماتيكي؛ حيث تكبد النظام أكثر من 200 قتيل في صفوف قوات الأمن، وتعرض أكثر من 7000 ضابط للضرب والإصابة في اشتباكات اندلعت في 246 مدينة.

وقد أدت هذه الخسائر الفادحة إلى إنهاك واضح، وانقسامات داخلية، وانشقاقات زادت من تآكل سيطرة النظام، لدرجة أن أفراد الأمن بقوا في الشوارع بلا نوم لليالٍ متتالية.

وعلى أعلى المستويات، اعترف قادة الحرس في اجتماع للمجلس الأعلى للأمن في 22 سبتمبر 2022، بافتقارهم إلى القوى العاملة اللازمة لتنفيذ مجزرة مخططة، مما أدى إلى فشل ثلاث جلسات متتالية قبل التوصل إلى أي قرار.

نهب الثروة النفطية في إيران: عائدات تتبخر في الأسواق المظلمة وشعب يواجه الجوع

كشف تقرير عن تحول تجارة النفط الإيرانية إلى “عمليات عصابات” تُدار عبر شبكات سمسرة سرية في دبي والغرف المظلمة لوزارة النفط. وبينما تذهب المليارات لتمويل أجهزة الولي الفقيه، يرزح الإيرانيون تحت وطأة الفقر وتآكل القدرة الشرائية، حيث تُستنزف ثروات البلاد لتأمين بقاء السلطة بدلاً من تحسين معيشة المواطنين المنهكين.

فساد اقتصادي | مايو 2026 – كيف تُسرق أحلام الإيرانيين في أروقة الصفقات النفطية المشبوهة

نهب الثروة النفطية في إيران

إن الصورة التراكمية التي تنبثق من هذه الأحداث لا تدل على اضطرابات معزولة، بل تعكس مجتمعاً يمر بزعزعة سياسية عميقة، حيث تواجه المؤسسة الحاكمة الآن أزمات متزامنة من التدهور الاقتصادي وتآكل الشرعية وكسر حاجز الخوف.

ويشير الاستهداف المتكرر لقوات الباسيج وقادة الشرطة وضباط الحرس وعملاء المخابرات والملالي وشخصيات القضاء إلى أن الصراع قد تجاوز بكثير ديناميكيات الاحتجاج العادية.

وهذا المناخ هو ما يفسر تصعيد النظام لحملة الإعدامات ضد السجناء السياسيين لتجنب السقوط. فمن خلال إعدام هؤلاء السجناء المتهمين بالارتباط بشبكات المعارضة المنظمة، يبدو النظام الكهنوتي مصمماً بشكل متزايد على استخدام الإرهاب والعقاب النموذجي لمنع التقاء الغضب الاجتماعي مع المقاومة المنظمة.

ومع ذلك، يثبت التاريخ أن القمع الجماعي يمكن أن يخفي الأعراض ولكنه لا يعالج الأسباب. لم تختفِ أي من المظالم الهيكلية التي أججت الانتفاضات منذ عام 2017، بل تراكمت وتضاعفت.

وفي هذا السياق، تبدو إيران اليوم وكأنها برميل بارود سياسي حقيقي؛ منهكة اقتصادياً، وممزقة اجتماعياً، وراديكالية سياسياً، ومستعدة بشكل متزايد لانفجار وطني جديد لن يبقي ولن يذر.