إيران في مفترق المصير: أزمات النظام وآفاق التغيير ودور الشعب والمقاومة
في ما يتعلق بالحرب، فإن النظام الإيراني يقف أمام مفترق مصيري حقيقي. فإذا تراجع عن سياساته السابقة، فإنه سيؤدي الى تسريع سقوطه. وإذا استمر في سياساته الحالية، فإنه سيواجه مزيدًا من الضغوط الدولية وربما حربًا جديدة، ما سيؤدي أيضًا إلى إضعافه وتهيئة الظروف لانتفاضة شعبية.
وتُطرح تساؤلات عديدة حول وضع النظام، من بينها:
لماذا لم يسقط النظام رغم مقتل خامنئي، ورغم الضربات اللاحقة خلال الحرب مع الولايات المتحدة؟ وهل النظام اليوم في موقع قوة أم في موقع ضعف؟
ولفهم حقيقة وضع النظام، ينبغي التوقف عند عدد من الحقائق الأساسية:
1- لأن مسألة بقاء النظام مطروحة على المحك، فإنه يقاتل من أجل بقائه بكل ما يملك، وبكل الوسائل الممكنة. فبعد حرب الأيام الاثني عشر في الصيف الماضي، أعاد النظام تنظيم أجهزته إلى أقصى ما تسمح به قدراته وإمكاناته، بما في ذلك توزيع الصلاحيات على المستوى الإقليمي داخل المحافظات. كما كان قد اتخذ قرارًا بأنه في حال تعرضه لهجوم أمريكي فسوف يهاجم دول المنطقة. وكان قد أعدّ مسبقًا خططًا لإغلاق مضيق هرمز باعتبار ذلك جزءًا من استراتيجيته. وخلال الحرب، وبسبب خوفه من اندلاع انتفاضة شعبية، ملأ الشوارع كل ليلة بالقوات العسكرية، وما يزال هذا الوضع مستمرًا حتى الآن.
2- لم يكن أمام النظام، عمليًا، سوى الاستمرار في المسار الذي سلكه حتى الآن، لأنه لا يملك القدرة على التراجع. فهو يخشى أن يؤدي أي تراجع إلى تسريع سقوطه. ولهذا فإنه لن يتراجع إلا عندما يصل إلى النقطة الصفر ويتيقن بأنه بات على حافة الانهيار. وتحليل النظام يقوم على أن الأطراف المقابلة لا تنوي إدخال قوات برية. ولهذا يرى النظام أن الحرب أقل خطرًا على بقائه من خيار التراجع.
3- الضربات الجوية، مهما بلغت فعاليتها، ليست الطريق الذي يؤدي إلى إسقاط النظام. ولذلك فإن عدم سقوط النظام لا يعود إلى قوة النظام أو إلى حنكته، بل إلى أن الحرب الجوية ليست المسار الصحيح لإسقاطه.
4- ومن هنا، فإن القول الذي يتردد أحيانًا في بعض وسائل الإعلام الأجنبية أو لدى بعض المحللين بأن النظام أصبح أقوى، يعكس في الحقيقة سطحية في القراءة وعدم فهم دقيق للواقع الإيراني. وحتى داخل الولايات المتحدة، فإن بعض الأطراف التي تتحدث عن «قوة النظام» إنما تفعل ذلك في إطار صراعاتها السياسية الداخلية، وليس استنادًا إلى تقييمات عسكرية أو سياسية دقيقة.
والخطأ الأساسي في هذه القراءة أنها تحصر المعادلة بين النظام والاطراف المقابلة، بينما معادلة إسقاط النظام أو بقائه لا تُحسم ضمن هذا الإطار وحده. فهناك عنصر أكثر أهمية يجري تجاهله بالكامل، وهو الواقع الداخلي الإيراني، والشعب الإيراني، والمقاومة الإيرانية. لأن مسألة التغيير في إيران تُحسم أساسًا في العلاقة بين الشعب والمقاومة من جهة، والنظام من جهة أخرى، ومصير النظام يتحدد في النهاية على يد الشعب والمقاومة الإيرانية.
5- والحقيقة أن نظام الملالي أصبح أضعف بكثير مما كان عليه، ومن يتابع أخبار الداخل الإيراني يدرك ذلك بوضوح. ويمكن الإشارة هنا إلى عدد من النقاط المهمة:
أولًا: كانت انتفاضة يناير الماضية ضربة كبرى للنظام، وتركت آثارًا وتداعيات عميقة. ورغم أن النظام تمكن مؤقتًا من قمعها عبر المجازر التي ارتكبها خلال الانتفاضة، إلا أنه من الناحية الاجتماعية لم ينجح في تقليص حالة السخط، بل زادها عمقًا، وزرع بذور انتفاضات أكبر في المستقبل.
ثانيًا: مقتل علي خامنئي، الذي كان يمثل العمود الفقري للنظام، شكّل ضربة استراتيجية قاسية للنظام، إضافة إلى مقتل عدد كبير من كبار القادة والمسؤولين فيه.
ثالثًا: كل الأزمات والمشكلات التي كانت موجودة قبل الانتفاضة ما تزال قائمة، بل تفاقمت أيضًا، وهذا وحده يحتاج إلى تقرير مستقل.
رابعًا: الحرب الأخيرة خلّفت خسائر مادية هائلة زادت من تعقيد أزمات النظام. وقدّرت المتحدثة باسم الحكومة حجم الخسائر بـ270 مليار دولار، تشمل الدمار، وتوقف الإنتاج، واختلال الاقتصاد الكلي. وحتى لو كان هذا الرقم دقيقًا، فإنه يعادل نحو 90% من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للبلاد.
خامسًا: قبل انتفاضة يناير كان معدل التضخم السنوي، وفق الأرقام الرسمية للنظام، 43%، بينما تجاوز خلال الشهر الماضي 73%. كما كتبت صحف النظام أمس أن أسعار بعض المواد الغذائية ارتفعت بنسبة وصلت إلى 300%.
وفي 8 مايو أعلنت وكالة «إيلنا» الحكومية أن رواتب العمال والموظفين تعادل ثلث خط الفقر، موضحة أن متوسط الرواتب يبلغ 24 مليون تومان، بينما يصل خط الفقر في المدن إلى 70 مليون تومان.
أما صحيفة «جهان صنعت» فكتبت في 10 مايو أن معيشة الناس تتجه نحو الانهيار، وأن راتب العامل لا يتجاوز 88 دولارًا.
كما كتبت قناة «تلغرام چند ثانیه» الحكومية في 10 مايو أن أسعار المواد الغذائية قفزت بنسبة 148% مقارنة بالعام الماضي، وأن تكلفة السلة الغذائية للعائلات أصبحت ضعف ما كانت عليه.
سادسًا: الأزمات الكبرى المتعلقة بالكهرباء والمياه والطاقة لم تُحل، بل ازدادت تعقيدًا وتفاقمًا.
سابعًا: قال نائب وزير التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي مؤخرًا إن الحرب «دمّرت مليون وظيفة بشكل مباشر ومليوني وظيفة بشكل غير مباشر»، وهي أرقام مرعبة بكل معنى الكلمة.
ثامنًا: الحصار البحري يفرض ضغوطًا اقتصادية إضافية على النظام. ويقول مسؤول سابق في وزارة الخارجية الإيرانية إن نحو 90% من واردات إيران، من حيث الوزن، تمر عبر الحدود البحرية في الخليج وبحر عمان.
تاسعًا: بلغ إنتاج النفط الإيراني قبل الحرب 3.8 ملايين برميل يوميًا، كان النظام يصدر منها 2.2 مليون برميل، ويستهلك 1.2 مليون داخل البلاد، ويخزن الباقي. وتبلغ القدرة التخزينية الإجمالية للنظام، في المنشآت البرية والعائمة، نحو 190 مليون برميل، وقد امتلأ أكثر من 60% منها حاليًا. وإذا لم يتمكن النظام من تصدير النفط، فإن بقية السعات التخزينية ستمتلئ خلال ثلاثة إلى خمسة أسابيع فقط.
وعندها تبدأ الكارثة، لأن النظام سيضطر إلى وقف استخراج النفط من الآبار تدريجيًا. وإذا لم يفعل ذلك، فلن يكون أمامه سوى إعادة ضخ النفط في آبار أخرى أو حرقه، وهو ما سيؤدي إلى كارثة بيئية كبرى.
عاشرًا: كانت أذرع النظام ووكلاؤه في المنطقة يشكلون ورقة قوة أساسية في التوازن الإقليمي والدولي، وكان لهم دور حاسم في الحفاظ على النظام. لكن هذه الأذرع تعرضت خلال العامين الماضيين لضربات شديدة، كما أن سقوط نظام الأسد حرم النظام الإيراني من إحدى أهم أدوات قوته.
ولهذا كان خامنئي يكرر دائمًا: «إذا لم نقاتل في سوريا والعراق ولبنان واليمن فسوف نُضطر للقتال داخل المدن الإيرانية»، وكان يقصد بذلك أن ضعف النظام في الخارج يعني بدء الانتفاضة داخل إيران.
6- كيف يمكن إسقاط النظام داخل إيران؟
الجواب أن معادلة إسقاط نظام ديكتاتوري ليست معادلة عسكرية صرف، بل هي معادلة متعددة الأبعاد.
أولًا: إسقاط النظام يرتبط بالظروف الموضوعية داخل المجتمع. والأزمات التي جرى ذكرها تؤكد أن النظام أصبح أضعف، ولم يعد قادرًا على حل أزماته الحالية، وحتى خبراؤه يعترفون بذلك علنًا. وهذا يشكل الأساس الموضوعي لتهيئة الظروف لسقوط النظام.
ثانيًا: على المستوى الاجتماعي، فإن القمع السياسي وغياب الحريات الفردية والاجتماعية، إلى جانب الأزمات الاقتصادية العميقة، خلقا وضعًا أصبحت فيه غالبية الشعب الإيراني تريد تغيير النظام.
وقد قال قاليباف، رئيس برلمان النظام، خلال المناظرات الانتخابية السابقة، إن 4% فقط من الإيرانيين يشكلون القاعدة المخلصة للنظام.
ولذلك فإن الوضع داخل إيران أصبح انفجاريًا، والظروف الموضوعية لإسقاط النظام موجودة بالفعل.
لكن إسقاط نظام الملالي يحتاج أيضًا إلى ذراع منظمة ومسلحة، تندمج مع الانتفاضة الشعبية وتقودها نحو إسقاط النظام، وليس مجرد حرب عسكرية تقليدية.
وهذه القوة المقاتلة، رغم محدودية إمكاناتها مقارنة بإمكانات النظام، تمتلك فعالية أكبر لأنها تستند إلى الشعب، وقد رأينا ذلك بوضوح خلال انتفاضات 2019 و2021 و2026، حين اهتز النظام بشدة، واعترف بنفسه بأنه اقترب من حافة السقوط.
7- الانتفاضة الشعبية وحدها لا تكفي لإسقاط النظام، بل تحتاج إلى قوة منظمة ومضحية ومستعدة لدفع الثمن، تكون قادرة على توجيه الانتفاضات نحو إسقاط النظام.
وهذه القوة، وهذا الجيل الجديد، تشكلا داخل إيران وهما في حالة توسع مستمر.
وقد عملت وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق طوال السنوات الاثنتي عشرة الماضية بشكل متواصل، وكانت تتوسع باستمرار، ولعبت دورًا حاسمًا في إشعال الانتفاضات الأخيرة وتوجيهها. وقد حذر خامنئي وقادة الحرس الثوري مرارًا من خطر هذه الشبكة واعترفوا بدورها في الانتفاضات.
ورغم اعتقال اكثر من 3600 من عناصر وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق خلال انتفاضة 2022، واختفاء نحو ألفي عنصر منها خلال انتفاضة 2026، فإن هذه الشبكة ما تزال تتوسع، وينضم إليها المزيد من الشباب الإيراني، وبحسب اعترافات الأجهزة الأمنية للنظام، فإنها تمثل المصدر الرئيسي للتهديد.
قد كان العام الماضي بالنسبة لـ المقاومة الإيرانية، فترة قفزات كبرى؛ حيث تمكنت وحدات المقاومة من لعب دور هام في انتفاضة يناير. لقد استطاعوا من خلال 630 سلسلة عمليات خلال الانتفاضة توفير درع حماية للشعب المنتفض. كما أثبتوا قدرتهم في تنظيم الشباب الثوار.
بعد ذلك، وفي ظروف كان فيها المجتمع الإيراني غاضباً ومفجوعاً بسبب المذبحة المروعة للمنتفضين، شنت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية هجوماً كبيراً على بيت خامنئي. شارك في هذه العملية 250 مقاتلاً من مجاهدي خلق في قلب طهران، في أكثر المواقع أمنية في البلاد.
نُفذت هذه العملية قبل خمسة أيام من الحرب الأخيرة وأغرقت النظام في الرعب. لأن الملالي يدركون أكثر من غيرهم أنه لا يوجد خطر على وجود حكمهم أشد فتكاً من قوة تنبع من داخل المجتمع.
قوةٌ تجنّد أعضاءها في بيئة العمل والحياة، ويوفر لها محيطها الاجتماعي حماية من أعين الحرس، بل وبإمكانها أن تصنع الأسلحة التي تحتاجها بنفسها.
لقد تحولت وحدات المقاومة الآن عملياً إلى فصائل تابعة لجيش التحرير تنفذ عمليات ضد قوات النظام.
إن الملالي خائفون بشكل خاص من إقبال جيل جديد على الانضمام لـ منظمة مجاهدي خلق الإيرانية؛ جيل مضحٍ تواق للتنظيم ضمن وحدات المقاومة. الشباب الذين عندما يتم اعتقالهم، وحتى عندما يواجهون أحكام الإعدام، يظهرون شجاعة مذهلة.
ويواصل النظام إعدام أعضاء مجاهدي خلق والشباب الذين شاركوا في توجيه الانتفاضات أو هاجموا المراكز العسكرية، بهدف تخويف الشباب ومنعهم من الانضمام إلى شبكات المقاومة. لكن خبراء النظام أنفسهم يعترفون بأن حاجز الخوف لدى الشباب قد انهار، وأنهم يواصلون الانضمام إلى هذه الشبكات.
8- هناك من يطرح أن سقوط النظام سيؤدي إلى تقسيم إيران، لكن هذا الادعاء غير صحيح، والنظام نفسه يروّج له، كما تستخدمه بعض الدول الغربية لتبرير سياسة المساومة مع النظام، عبر الادعاء بأن التغيير في إيران قد يؤدي إلى وضع شبيه بالعراق أو ليبيا، بما يهدد استقرار المنطقة بأكملها.
لكن الحقيقة أنه لا توجد داخل أي من القوميات الإيرانية نزعات انفصالية، ولم يكن ذلك موجودًا تاريخيًا. كما توجد في إيران مقاومة وطنية شاملة وبديل سياسي يمتلك القدرة على ضمان حقوق جميع القوميات الواقعة تحت الظلم ضمن إطار وحدة الأراضي الإيرانية.
وفوق ذلك، فإن إيران تختلف من نواحٍ عديدة عن دول مثل العراق أو بعض دول المنطقة التي تشكلت حدودها وبناها السياسية تحت تأثيرات خارجية خلال مراحل تاريخية معينة. فإيران تمتلك استمرارية تاريخية، وهوية سياسية وثقافية راسخة، ونوعًا من الترابط الجغرافي والمؤسساتي العميق، وهي دولة نتجت عن مسار تاريخي طويل، وتملك هوية جماعية وتجربة تاريخية مشتركة.
ولذلك فإن الحديث عن تقسيم إيران، بالشكل الذي يُطرح أحيانًا، لا يستند إلى واقع حقيقي.
النتيجة
إن التخلص من النظام الكهنوتي، وإنهاء مشروعه النووي وميليشياته الوكيلة وحالة الحرب المستمرة في المنطقة، لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إسقاط هذا النظام على يد الشعب الإيراني والمقاومة المنظمة. والحل، هو الانتفاضة المنظمة وجيش التحرير.
إن الذين يتجاهلون دور الشعب الإيراني والمقاومة الإيرانية في معادلة التغيير، إنما يساهمون في إطالة عمر النظام الكهنوتي.
وبالتالي، فإن الحل الحقيقي للمشكلة الإيرانية يكمن في الوقوف إلى جانب الشعب الإيراني والمقاومة الإيرانية المنظمة من أجل تحقيق التغيير الديمقراطي وإسقاط هذا النظام.

