لماذا دخل النظام الإيراني مرحلة اللاعودة؟
لم تعد الأزمة الإيرانية مجرد قضية داخلية تخص شعباً يرزح تحت حكم استبدادي، بل تحولت إلى قضية ترتبط بصورة مباشرة بأمن المنطقة واستقرار العالم. فالتطورات الكبرى التي شهدها العام الماضي أثبتت بوضوح أن نظام ولاية الفقيه لم يعد مجرد سلطة محلية تمارس القمع داخل حدودها، بل بات يمثل المصدر الرئيسي للتوتر والحروب والإرهاب وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
ومن هنا، فإن معركة الشعب الإيراني من أجل الحرية لم تعد منفصلة عن معركة العالم من أجل السلام. فكل تجربة سياسية أو دبلوماسية خلال العقود الماضية أكدت حقيقة أساسية: لا يمكن تحقيق استقرار دائم في المنطقة ما دام هذا النظام قائماً بسياساته التوسعية وبنيته القائمة على القمع والتطرف وتصدير الأزمات.
لقد حاولت قوى دولية عديدة، طوال أكثر من أربعة عقود، الرهان على تغيير سلوك النظام الإيراني عبر المساومة أو الاحتواء أو تقديم التنازلات السياسية والاقتصادية. لكن النتيجة كانت دائماً واحدة: المزيد من القمع في الداخل، والمزيد من التدخلات والحروب في الخارج. فالنظام الإيراني لا يرفض التغيير فقط، بل إن بنيته العقائدية والأمنية لا تسمح له أصلاً بأن يتحول إلى نظام طبيعي قابل للتعايش مع شعبه أو مع محيطه.
وفي مقابل هذا الواقع، جرى تجاهل العامل الأهم في المعادلة الإيرانية: الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة. فبينما كانت بعض الحكومات والشركات تبحث عن مصالح قصيرة الأمد، كانت المقاومة الإيرانية تكشف للعالم، منذ سنوات طويلة، حقيقة المشروع النووي السري للنظام، وتحذر من مخاطره وسياساته التدميرية. ومع ذلك، لم يجرِ فقط تجاهل هذه التحذيرات، بل تمت محاصرة حركة المقاومة في لحظات حساسة، في محاولة لإبقاء التوازن القائم بأي ثمن.
لكن الأحداث الأخيرة أثبتت أن تجاهل إرادة الشعوب لا يصنع استقراراً، بل يؤجل الانفجار فقط. فإيران اليوم تعيش حالة غليان داخلي عميق، والنظام نفسه يدرك أن الخطر الحقيقي الذي يهدده لا يأتي فقط من الخارج، بل من الداخل الإيراني، من مجتمع جاهز للانتفاضة ومن مقاومة منظمة تتوسع جذورها داخل المدن الإيرانية.
ولهذا السبب، حوّل النظام المواجهة مع الشعب إلى أولوية مطلقة. ففي يناير الماضي، أغرق الانتفاضة الشعبية بالدماء، وقتل آلاف الشباب والمراهقين في محاولة لإعادة فرض الخوف. ومنذ اندلاع الحرب الأخيرة، صعّد حملات الإعدام والاعتقالات بصورة غير مسبوقة، مستهدفاً خصوصاً أعضاء وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، باعتبارها القوة الأكثر تنظيماً وتأثيراً داخل معادلة التغيير.
إن اعتراف قادة النظام أنفسهم باعتقال آلاف الأشخاص، بينهم مئات المرتبطين بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، يكشف حجم القلق الذي تعيشه السلطة من تنامي دور المقاومة. فالنظام يدرك أن المشكلة الأساسية لم تعد مجرد احتجاجات معيشية عابرة، بل وجود حركة منظمة قادرة على تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع سياسي لإسقاط النظام.
وفي الوقت نفسه، تحاول بعض الأطراف المرتبطة ببقايا ديكتاتورية الشاه إعادة طرح نفسها كبديل سياسي، في محاولة لإعادة إنتاج الاستبداد بصيغة مختلفة. غير أن المجتمع الإيراني، الذي أسقط حكم الشاه بثورة شعبية عام 1979، لا يريد العودة إلى الماضي، كما لا يقبل استمرار الحاضر القائم على ولاية الفقيه.
ولهذا، تتجه الأنظار اليوم نحو مشروع مختلف يقوم على إقامة جمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، والحكم الذاتي للمكونات الوطنية المضطهدة، والتعددية السياسية، واحترام إرادة الشعب عبر صندوق الاقتراع.
وفي هذا السياق، يكتسب إعلان المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية عن تشكيل الحكومة المؤقتة أهمية سياسية خاصة. فالمقاومة لا تكتفي برفض النظام القائم، بل تقدم نفسها بوصفها بديلاً ديمقراطياً يمتلك رؤية واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية ومنع الفوضى بعد سقوط النظام، استناداً إلى خطة النقاط العشر التي طرحتها السيدة مريم رجوي لمستقبل البلاد.
إن إيران اليوم تقف عند مفترق طرق تاريخي. نظام يعيش مرحلة اللاعودة، وشعب يرفض الاستسلام، ومقاومة منظمة تطرح مشروعاً سياسياً بديلاً. وفي ظل هذه المعادلة، لم يعد السؤال ما إذا كان التغيير سيأتي، بل متى وكيف ستنجح الإرادة الشعبية في تحويل هذا التآكل العميق داخل النظام إلى لحظة تحرر تاريخية تفتح الطريق أمام إيران جديدة: إيران الحرية والديمقراطية والسلام.

